حارة العاشقين: الليلة العاشرة
من سلسلة "حكايات ألف ليلة وليلة"
تلاشى صخب الإسكندرية ليمتزج برطوبة خانقة تفوح من الجدران الباردة لديوان قسم الشرطة، حيث يمتزج أنين المظلومين بوقاحة الخارجين عن القانون. في ممر الضوء الشاحب، كان "صخر" يقف كمثالٍ حيّ لأسدٍ جُرح في كبريائه؛ ملامحه الصارمة التي طالما أرعبت رجال بحري باتت تتأرجح الآن بين ذهول الصدمة وفوران الغضب الأبوي. وخلفه، كان أولاده الأربعة، يلتفون حوله في صمتٍ مريب، بينما يتقدمهم "سليم" بخطىً واسعة وعينين تلمعان ببريق المحاماة وجسارة دارسي القانون، يُسابق الزمن ليفك طلاسم المؤامرة الدنيئة التي حيكت في عتمة الليل.
لم يكن احتجاز "يوسف" و"لميس" مجرد مصادفة أمنية أخطأت طريقها، بل كان فخاً كيدياً نُسجت خيوطه بدهاءٍ شيطاني..
وفي تلك الأثناء، وبعيداً عن جدران القسم الباردة، وتحديداً داخل مكتبٍ فاخرٍ غارق في الدخان والضوء الخافت، كان "سيف" و"كمال" يجلسان متقابلين أمام طاولةٍ رخامية تتوسطها رقعة شطرنج خشبية، يتبادلان الحركات والقطع بنوعٍ من البرود الذي يسبق العواصف الجارفة.
نقل كمال قطعة "البيدق" بخبثٍ، ثم رفع عينيه وهتف بنبرة تقطر مكراً:
"باشا رجع..مش هتحضر الجنازة"
أومأ سيف برأسه إيجاباً دون أن يزيح عينيه عن الرقعة، وحرّك قطعة "الرخ" بتركيز شديد وهتف بنبرة انتصار حاسمة:
"لازم علشان محدش يشك فينا..كش ملك!"
ثم التفت بكامل جسده نحو كمال، مصلتاً عليه نظرة حادة كالخنجر، ووجّه إليه اللوم على تصرفه المندفع قائلاً بغضب مكتوم:
"أنا مش قلت لك متعملش حاجة من غير ما تستشيرني؟!"
طأطأ كمال شفتيه بلامبالاة واستخفاف، وقرب كوب القهوة من فمه يرتشف منه جرعة بطيئة، ثم وضعه وهتف مبرراً:
"أنا نفذت كل كلامك.. لكن صخر كان عايز قرصة ودن!"
ثم أطلق كمال ضحكة عالية، اهتزت لها جوانب المقعد الجلدى، وتابع بشماتة:
"تلاقيه دلوقتي ممسوك آداب، والنيابة بتحقق معاه!"
أخرج سيف سيجارته من فمه، ودعسها بعنف بداخل المنفضة الكريستالية حتى انطفأت جذوتها تماماً، ثم التفت إليه وأخبره بتسرعه وغبائه:
"غبي ومتكبر ومش بتسمع الكلام!"
لم يهتز لكمال جفن، بل أطلق ضحكة عالية أخرى، ونظر إلى سيف بنظرة تحدٍّ مبطنة بشلال من المعلومات القاتلة التي يلوح بها ككارت إرهاب، وقال بنبرة هادئة وخطيرة:
"هتكمل مع صافي!"
ساد الصمت الغرفة لثوانٍ، تململ فيها سيف في جلسته، لكنه سرعان ما استعاد بروده ومكره الشديد؛ بدأ يرص قطع الشطرنج قطة وراء الثانية فوق الرقعة بنظامٍ مريب، ثم هتف بنبرة فحيح الأفاعي:
"أنت هتعمل أيه مع كارين.."
في تلك اللحظة، تجمدت الدماء في عروق كمال؛ وضع كوب القهوة فوق المنضدة الرخامية بسرعة، واهتزت كفه اليمنى بشكل ملحوظ لم يستطع إخفاءه، وسأل بنبرة تراجع فيها الكبرياء ليحل محله قلق دفين:
"مش عارف أبعد صخر عنها إزاي لو قربت منها هتبقي فرصة الشركة تبقي تحت أيدي!"
أطلق سيف ضحكة عالية، مجلجلة وساخرة، نظر من خلالها إلى عمق عيني كمال الخائن، وألقى بقنبلته الحارقة بدم بارد:
"يبقي الحل الوحيد تحل كيسك و تصرف عليها شوف صخر قفل أيه و افتحه!"
-وفي تلك الأثناء، وداخل مكتب التحقيق بـ النيابة المسائية، حيث الوجوه الشاحبة والإضاءة البيضاء الفاضحة، كان المشهد يغلي بـ المشاعر المتضاربة.
على المقعد الخشبي القاسي، بدأت "لميس" تستعيد وعيها ببطء، وتنفض عنها غشاوة السُّكر الطافح الذي غيّب عقلها الصغير في بار الفندق. فتحت عينيها المثقلتين برعبٍ طفلي وهي تجد نفسها في هذا المكان الموحش، لتلتقي نظراتها بنظرات يوسف القابع قبالتها. لم تكن نظرات يوسف تحمل ذرّة من الشفقة أو صلة الرحم؛ بل كانت نظراتٍ تقطر اشمئزازاً ونفوراً، تزدرى ثوبها المتبرج وهيئتها المترنحة، كان ينظر إليها وكأنها جيفة قذرة لوثت طهارة حياته، متسائلاً في أعماقه بمرارة: أهذه هي الفتاة التي جئت لأحمي شرفها؟ أهذه ابنة عمي التي أوردتني موارد الهلاك؟ وزاد كبرياؤه جرحاً عندما تذكر أنه حُشر معها في سيارة الشرطة كأي مجرمٍ يرتاد المواخير.
تحركت الإجراءات سريعاُ ليلاً، وتقدم "سليم" بخطوات واثقة مستأذناً الحرس للدخول إلى مكتب وكيل النيابة، بصفته محامياً مدافعاً وموكلاً مع شقيقه يوسف وابنة عمه لميس.
داخل الغرفة، جلس وكيل النيابة وبدأ في تدوين الأقوال ببرود. وحين جاء دور صديقة لميس الثملة للإدلاء بشهادتها، كانت ترتجف هلعاً من وطأة الموقف، فأشارت بأصابع واجفة نحو يوسف وقالت بنبرة مرعوبة حاولت بها النجاة بنفسها:
"هو المرافق اللي اتفقت معاه و كان طالع معاها الأوضة في الفندق!"
سقطت الكلمات كالمطرقة فوق رأس يوسف، الذي انتفض من مكانه ببدنه وعيناه تتسعان بذهول قاتل، وصاح بحشرجة تخنقها العبرات:
"والله العظيم ما حصل! أنا معرفهاش، أنا عمري ما شوفتهاا!"
لم يلتفت وكيل النيابة لثورة يوسف، بل استمر في تدوين المحضر، موجهاً ليوسف لائحة اتهام ثقيلة ومروعة بناءً على بلاغ كمال الكيدي وشهادة الصديقة: "ممارسة الفاحشة، وإفساد أخلاق الشباب، وهتك عرض أنثى قاصر لم تبلغ السن القانوني"، وهي تهمة جنائية كفيلة بالإطاحة بمستقبله خلف غيابات السجون لسنوات طويلة.
خلف الباب المغلق في ركنٍ منزوٍ من قاعة النيابة، انفرد سليم بشقيقه يوسف في محاولة أخيرة بائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. نظر سليم إلى يوسف بنبرة متوسلة وصارمة في آنٍ واحد وقال بصوت خفيض:
"المحضر لو اتكتب ونزلت الحجز، مستقبلك هينتهى البلاغ معمول تلبس مع قاصر، والحل الوحيد اللي هيقفل القضية دي قدام النيابة ويقلب البلاغ الكيدي، هو إننا نثبت إنك كنت داخل تجيب مراتك اللي خرجت عن طوعك و تم استدراجها من صاحبتها فلازم يحصل جواز هنا في القسم!"
تصلب جسد يوسف، واشتعلت عيناه بنيران الغضب والقهر النفسي، وتراجع إلى الوراء وهو ينظر إلى شقيقه بنفور ويدفع صدره بقوة، وهتف بصوت مخنوق بالبكاء والرفض القاطع:
"أنا؟! أتجوز ساقطة أنا عندي أفضل هنا في الحجز ولا أن اتجوزها!"
وقف سليم عاجزاً أمام عناد شقيقه الذي يرى الموت أهون من تدنيس مبادئه بزواجٍ قسري من فتاة يراها عاصية، بينما كانت لميس تبكي في الركن الآخر باهتزاز، وصوت سرينات الشرطة في الخارج ينذر بليلة لن تنتهي آلامها بسهولة..
نـهـايـة الـلـيـلـة الـعـاشـرة