حارة العاشقين الليلة الثامنة

حارة العاشقين: الليلة الثامنة
​من سلسلة "حكايات ألف ليلة وليلة"
​توسد "صخر الجبالي" وسادته الطبية في صمتٍ مهيب، قبل أن يلتقط هاتفه النقال ليعقد اتصالاً عاجلاً بمحامي العائلة، وحين أتاه الصوتُ من الطرف الآخر متردداً، بادره صخر بنبرةٍ جهورية حازمة:
"مساء الخير يا أستاذ كمال.. أنا صخر، أخو كريم الجبالي."
​فجاءه صوت المحامي مثقلاً بأسى المذيعين:
"البقاء لله."
​لم يقف صخر عند حدود العزاء الراتب، بل دلج إلى بغيته دون مواربة:
"أستاذ كمال.. عايز أسألك عن حاجة."
​تنحنح كمال عبر الأثير، وقد سرى الخوفُ في حنجرته لعلمه ببطش هذا الرجل الشديد وثقل وطأته، وأجاب بتلعثمٍ مكتوم:
"اتفضل."
​سأله صخر بنبرةٍ هادئة لا تخلو من تهديدٍ مبطن:
"أنا عارف إن مدام كارين رجعت الفيلا.. وأنت أول واحد اتصلت بك علشان تساعدها."
​تضاعف قلقُ المحامي، وظن أن أسراره قد كُشفت بين يدي كبير الجبالية، فأقرّ بذنب المعونة مكرهاً:
"بصراحة.. اتصلت بي وطلبت مساعدتي."
​عندئذٍ، رفع صخر حاجبه الأيمن عالياً بملامح جافة، وضغط بسبّابته على زر مكبّر الصوت ليتيح لرجاله الخمسة ووالده وصوت عشيرته المحتشدة في الغرفة سماعَ ما يدور، وأصدر أمره الحاسم كقاضٍ يخط قلمه حكماً بالإنفاذ:
"أستاذ كمال.. عايزك تجمد أرصدتهم في البنك."
​لم يتمكن "عمر" من كتمان ضحكته الطائشة أمام هذا الحصار المالي المباغت لكارين، فخرجت من ثناياه قهقهةٌ مكتومة خرمت هدوء الغرفة؛ فما كان من "الحاج صالح" إلا أن نكزه في كتفه الأيمن بغلظة، وهمس بزجرٍ حانق تملؤه هيبة المجالس:
"اسكت يا ابن الكلب يا واطي.. هتفضحنا!"
​اندفع عمر يحاول الفرار ببدنه ضاحكاً، محتمياً بظهر أبيه صخر المستغرق في مكالمته؛ فما كان من الشيخ الكبير إلا أن خلع نعله (الشبشب) من قدمه وقذفه به بكل قوته، غير أن الفتى راغ عنه برأس رشيقة، لتستقر الضربةُ الطائشة على وجه شقيقه "سليم" القابع وراءه. وضع سليم كفه الأيمن على موضع الضربة بذهول، وهتف محتجاً وهو يدفع عمر نحو كفي جده:
"ما تثبت يا ابني علشان جدك يمسكك!"
​تلاحقت الحركات العبثية سريعةً، واعتلى عمر حافة الفراش الطبي ليتفادى نعل الجد الثائر، فاختل توازنه وهبط بثقله فوق جسد والده المريض؛ فما كان من صخر دون أن يقطع حبل المكالمة أو يحول عينيه عن سقف الغرفة إلا أن هوى بكفه العريضة على مؤخرة رأس عمر بصفعةٍ ثانية أدبته.
​ترددت الجلبةُ والضحكات في الردهة عبر الهاتف، فاسترابت أذن المحامي، وسأل مستفهماً:
"في حاجة يا معلم صخر؟"
​انحنى صخر بجسده ليقيد حركة ولديه، والتقط فردة النعل الأخرى ليقذف بها وجه سليم المشاكس، الذي صاح بضيق:
"أنت بتحدف فين أنا سليم؟!"
​كان المشهدُ عبثياً بامتياز؛ إذ تداخلت أصواتُ ضحكات العائلة المكتومة بصخب الخصام الساخر بداخل غرفة المستشفى، فأشار إليهم صخر بكفه بحسمٍ أن أطبقوا الشفاه، ثم أغلق مكبّر الصوت وأعاد الهاتف إلى أذنه، وتابع حديثه مع كمال بنبرةٍ فصيحة غاب عنها المزاح:
"أستاذ كمال.. أنت كنت صاحب كريم وكان معاه كل أسرارك؛ هو كان فعلاً متجوز وعنده تلت بنات في السر؟"
​توجس كمال خيفةً من مغبة الكذب على صخر، ورأى أن الصدق في مواطن البطش أنجى، فأفضى بما في جعبته:
"بصراحة.. كريم كل أسراره كانت معايا، ده أنا حتى شهدت على عقد جوازه من مدام مياسين أنا ومصطفى المصري."
​عقد صخر مابين حاجبيه وسأله مستنكراً:
"ومدام مياسين وافقت ليه تعيش معاه في السر؟ ليه ما أعلنتش جوازهم؟"
​أجابه كمال موضحاً وجه الحقيقة:
"جوازهم مكنش في السر ولا عرفي.. كان في مأذون كتب الكتاب، وأنا ومصطفى المصري شهدنا على عقد الجواز، وبعدها هي استقرت في لندن مع بناتها الثلاثة."
​سأله صخر بلهفةٍ يقتفي بها أثر الدم:
"بناتها أسماءهم أيه؟"
​أجابه كمال:
"لميس، وزهرة، وسارة."
​هنا استشاط صخر غضباً، ونبر في المحامي سائلاً إياه عن علة الكتمان:
"أستاذ كمال.. أنت ليه مقلتليش بوجودها في إسكندرية؟"
​تنحنح كمال متلمساً الأعذار:
"مدام مياسين حكت لي المقابلة اللي دارت بينكم، لأنها لسة قافلة معايا حالا."
​كاد صخر أن ينهي المكالمة زاهداً في بقية الحديث دون أن يكلف نفسه عناء السؤال عنهن، لولا أن عاجله كمال بنبرةٍ أثقلها القلق والوجل:
"مش عايز تعرف قالت لي أيه عن بنات كريم؟"
​توقف صخر عن الحركة، وسأله بوجوم:
"مالهم؟"
​أجابه كمال بصوتٍ خفيض يملؤه الفزع:
"لميس سهرانة في بار الفندق اللي نازلين فيه.. وصاحبتها وصلت إسكندرية واتفقت معاها تأجر لها مرافق يعمل معاها علاقة علشان تفقد عذريتها وحبيبها القديم يرجع لها!"
​حملقت عينا صخر وزاغ بصره من فرط الصدمة وثوران الغيرة الشرقية في عروقه ما إن وعى حديث المحامي؛ فهبّ واقفاً على قدميه كليثٍ أثير، ونزع عنه أغطية الفراش الطبي بعجلةٍ متناهية استغربها الحاضرون.
​انبرت الحاجة فاطمة تسأله بفزع:
"في أيه يا صخر؟"
​لم يرد صخر على تساؤلات عائلته، بل استمر يرتدي حذاءه على عجل وهو يصرخ في الهاتف مستعجلاً المحامي:
"اسم الفندق أيه؟!"
​دنا منه سليم مستفهماً عن هذه الثورة المفاجئة:
"أنت رايح فين؟"
​مدّ صخر يده اليمنى في جيب سترته متجاهلاً إياهم، وغادر الغرفة بخطىً واسعة تسبق الريح، تاركاً العائلة وراءه تحملق بأعينٍ مبهوتة؛ فسأل سليم في حيرة:
"في أيه؟!"
​تبعه أولاده الخمسة يركضون خلفه حتى بلغوا نهاية الرواق الأيمن المخصص لغرف المرضى، ولما توقف صخر بقامته الفارية أمام مكتب استقبال الممرضات قبالة المصعد، بادرتْه ذاتُ الممرضة اللعوب بنبرةٍ مغناج:
"الأسانسير عطلان."
​التفت إليها صخر بوجهٍ كأنما قُدّ من صخر الصوان، دون أن يقطع المكالمة مع كمال، متوجهاً صوب الدرج؛ فيما أثار مشهدُ العائلة المحتشدة فضولَ الممرضة، فالتفتت إلى زميلاتها تتهامس بحديثٍ تلقفته آذان زوجات صخر الثلاث:
"دول ولاده الخمسة وبناته وهو متجوز تلاتة!"
​تمصمصت الممرضة الأخرى بشفتيها وقد داخلها العجب من فتة الرجل، وعقبت بنبرةٍ يملؤها الحسد:
"مش باين عليه عيان خالص.. ده واقف أصغر من عياله! أنتِ عارفة لو أخد السلم جري مش هيتعب."
​ولم يكن أمام صخر بدٌ سوى الهبوط عبر الدرج بسرعةٍ فائقة لسباق الزمن، فابتدأت الممرضة الثالثة قائلة بذهول:
"شفتِ نزل السلم بسرعة إزاي!"
​انتبهت زوجات صخر الثلاث لحديث الممرضات ومصمصات شفاههن، فاشتعلت في الرواق معركةٌ عبثية جديدة قادتها الضرائر غيرةً على رجلهن، وصاحت ورد بوجه الممرضة:
"هو القرّ عيني عينك كده؟!"
​تراجعت الممرضة إلى الخلف خائفة، واعتذرت للمرة الثانية بكفين مرتعشتين:
"أنا مكنش قصدي!"
​هنا تدخل الحاج صالح بجسده الواهن محاولاً تهدئة عاصفة النساء ولجم ثورتهن قبل أن تتسع الفضيحة في أروقة المشفى، وهتف بهن بصوتٍ حازم:
"كفاية.. خلينا نمشي!"
وفي تلك الأثناء، كان فتيةُ صخر الخمسة وقد استبدت بهم النخوة واستشعروا خطراً يتهدد جدار العائلة قد ركضوا خلف والدهم ككتيبةٍ متراصة، فلم يدعوه يقطع ردهات المشفى وحيداً؛ وبمجرد أن بلغوا ساحة السيارات، انقضّوا جميعاً داخل جوف سيارته الفارهة قبل أن يُغلق بابها.
استقر صخر خلف المقود وعيناه تشتعلان بلهيب الغيرة الشرقية الثائرة،تتلاحق أنفاسهم الجسورة أدار صخر المحرك فدوى زئيرُه في الأرجاء، وانطلق بالسيارة يطوي الأرض طياً ويشق عتمة شوارع الإسكندرية نحو الفندق، يجاوره رجالُه الخمسة :
 "فهمنا إحنا رايحين فين"
ـ نهاية الليلة الثامنة