حارة العاشقين: الليلة التاسعة
من سلسلة "حكايات ألف ليلة وليلة"
"فهمنا إحنا رايحين فين؟"
هكذا جاء سؤال "سليم" وهو يعدل حزام أمان السيارة الفارهة التي تشق عتمة ليل الإسكندرية، فجاءه رد والده قاطعاً جهيزة كل قول، وهو يروي لرجاله الخمسة ما علِم به من المحامي:
"لميس بنت كريم.. في بار الفندق اللي نازلين فيه!"
وما إن استقرّت الكلمة في مسامعهم، حتى انتفض "يوسف" مغضباً، واندفع يعترض بنبرةٍ تقطر تزمتاً وتمسكاً بالدين والأخلاق:
"عايزنا ندخل بار ونجيب الصايعة دي؟!"
في لمحة عين، فرمل صخر بالسيارة بغتةً حتى احتكت الإطارات بالأسفلت بعنف، وبادله النظرات الحادة عبر مرآة السيارة الداخلية، ثم هتف بنبرةٍ آمرة لا تقبل مراجعة:
"أيه رأيك بقى إنك أنت اللي هتنزل البار، وهتدخل تجيبها لوحدك يا يوسف!"
شعر يوسف بوطأة الورطة، فنقر بأصابعه على نافذة السيارة هاتفاً بحنقٍ يداري به تراجعه:
"أنا مكنش قصدي أعترض على كلامك.."
التفت صخر برأسه إلى الخلف، ونظر إليه بسخريةٍ لاذعة ليلقنه درساً في أصول النخوة التي تسبق الأحكام:
"وأيه رأيك بقى نخلي بنت عمك، العيلة الصغيرة دي،أي واحد يستغل إنها سكرانة؟ أنت مدرك هي بتفكر في أيه؟ دي عايزة مرافق ليها علشان التنمر اللي بيحصل لها من الأجانب في الجامعة!"
لم ينتظر صخر رد فعل نجله، بل أدار محرك السيارة مجدداً وهو يجري اتصالاً هاتفياً عاجلاً بـ "كمال" محامي العائلة، وحين أتاه صوت الآخر مستجيباً: "مساء الخير يا معلم صخر"، بادره صخر دون مقدمات:
"عايز رقم مدام مياسين."
أسرع كمال يضغط على سجل المكالمات، وأرسل الرقم في رسالة نصية قائلًا: "بعته لك في رسالة". أنهى صخر المكالمة، وضغط على الرسالة يفتحها، ثم أجرى اتصالاً هاتفياً بمياسين، فجاءه صوتها المتهدج عبر الأثير متسائلاً بنبرة يملؤها الوجل:
"مين معايا؟"
"أنا صخر الجبالي يا مدام مياسين."
هكذا جاء رد صخر وهو يلف عجلة القيادة بيده اليسرى بمهارة، فأتاه سؤالها يحمل في طياته كل قلق الأمومة على ابنتها المغيبة عن الوعي:
"خير يا معلم صخر؟!"
أجابها بجفاف:
"أنا واقف قصاد الفندق.. ابعتي صورة لبنتك لميس لأن مش عارف شكلها."
في تلك اللحظة، دخل السرور بداخل قلب مياسين؛ فبرغم جفوة اللقاء الأول، علمت أن صخر قد أتى كليثٍ هصور لينقذ ابنتها من الضياع، فقالت بلهفة: "حاضر..". ضغطت على أيقونة الصور وأرسلتها له عبر الهاتف.
حين اهتز الهاتف بوصول الرسالة، ضغط صخر على الصورة ليفتحها، ودون أن ينتبه إلى ملامح الفتاة الصبية التي تشبه شقيقه المتوفى "كريم" إلى حدٍ مذهل، لوّح بالهاتف أمام أعين أولاده الخمسة قائلاً بحسم:
"دي صورتها."
ثم أنهى الخط تماماً، ولمعت عيناه وعلامات التخطيط والتدبير ترتسم على وجهه الصارم، فأخبرهم بخطته المباغتة:
"أنا هدخل أنا وسليم نحجز أوضتين.. علشان نعطل جرس إنذار الفندق لو حصلت شوشرة. ليل، وعمر، وزين هيفضلوا هنا في العربية.. وتكون أنت نزلت البار يا يوسف وتخرجها معاك."
ثم لف صخر عجلة القيادة بيده اليمنى وتابع بصوتٍ خفيض:
"أنا فكرت في الأول إني أبلغ شرطة السياحة وتقفل الفندق لأن لميس قاصر.. لكن رجعت وقلت لو عملت كده اسمها هيدخل في الأقسام وتبقى فضيحة تتكتب في الجرايد، وممكن هي تقول أنا معرفهمش!"
وهنا، وللمرة الثانية، اندفع يوسف يعترض بعناد:
"أهو أنت بتقول بنفسك هتقول متعرفناش! يبقى ندخل البار بإمارة أيه؟ وبعدين أنت مصدق إنها بنت عمي كريم؟ أيه اللي يثبت؟!"
توقفت السيارة قبالة الواجهة الخلفية للفندق في بقعة مظلمة، فالتفت صخر إلى الخلف وأصدر أمره الصارم الذي قطع به لجاج ولده:
"إحنا مش هندخل الفندق.. الأستاذ يوسف هيدخل لوحده، وإحنا هنفضل مستنيين هنا!"
شعر سليم بالخطر من عناد شقيقه، فرفع كف والده يقبلها معتذراً نيابةً عنه:
"كلامك يمشي علينا كلنا.. هو ميقصدش، خلاص خليني أنزل أنا أجيبها."
اعترض صخر بحدة وأمر يوسف بالنزول:
"الوقت بيعدي وأنت لسة مكانك.. انزل!"
بخطىً ثقيلة ونفسٍ ضيقة، فتح يوسف باب السيارة الخلفي ونزل، ليتوقف قبالة الواجهة الخلفية للفندق يتأمل المكان بامتعاض. في تلك الأثناء، تبسم عمر داخل السيارة وهو يغمز لوالده مداعباً:
"يوسف هيغرقنا .. كنت نزلتني أنا!"
التفت صخر برأسه إليه بنظرةٍ خبيرة، فهو يعلم أن نجله لا تحركه النخوة الآن بقدر ما تحركه الرغبة في خوض المغامرة، فقال له بسخرية:
"يالا.. فاكرني مش فاهمك؟ عايز تنزل تهيص مع البنات وتخربها؟"
أطلق عمر ضحكة عالية وصفق بكفيه من فرط بهجته بالقفشة، فما كان من صخر إلا أن فاجأه بصفعة جديدة على مؤخرة رأسه، فرمش عمر أهدابه من الدهشة والوجع، وسأله صخر بنبرة تحولت فجأة للمحاسبة:
"فين باقي فلوس الكورسات اللي أخدتها مني؟"
احمرّ وجه عمر ثم اصفرّ ارتباكاً، وتمتم وهو يبتلع ريقه:
"هو.. المفروض أرجعهم؟"
أمسكه صخر من ياقة قميصه بقوة وتوعده ضاحكاً بغلظة:
"وحياة أمك لو طلعت بمواد الترم ده ما هتشوف مني مليم!"
أسرع عمر يقبل كف والده الأيمن تملقاً:
"لأ .. ده أنت وعدتني تسفرني المنحة برة!"
عقب صخر بمرحٍ لا يخلو من الجد:
"بإمارة أيه المنحة؟ ده أنت كل ترم تجيب مادة واتنين وتلاتة! ما كنت دخلت كلية تجارة ولا حقوق واقلب!"
تدخل سليم في الحديث يمازح شقيقه عمر بنبرة تملؤها الفخر:
"حقوق أيه بس اللي يدخلها ؟ طيب أنا دخلت حقوق بمزاجي علشان حابب الكلية، مع أنا جايب 92% في الثانوية العامة!"
التفت إليهما عمر وردّ مصححاً بفكاهة:
"ده أنا جايب 51%!"
التفت له صخر للمرة الثانية وسأله بسخرية لاذعة هزت أرجاء السيارة:
"مش فاهم أنا.. 51%؟! أنت داخل الثانوية معاك شريك؟ هو 49% وأنت 2%؟! بتضحك على أيه يلا يا بارد؟!"
انفجر الجميع بالقهقهة، وجلسوا ينتظرون داخل السيارة، يرقبون الواجهة الخلفية للفندق في انتظار خروج يوسف ومعه لميس..
-داخل بار الفندق، كانت الأجواء منفصلة تماماً عن العالم الخارجي؛ إضاءة خافتة ملونة، وموسيقى صاخبة تضرب الرؤوس. وقف يوسف في ممر البار يتمتم بشفتيه بآيات الاستعاذة، وينظر حوله باشمئزاز:
"أيه اللي عملينه في نفسهم ده؟ هما كفار؟!"
رأى شبابًا وفتيات يترنحون مع الموسيقى، وبعضهم يتبادلون عناقًا لا يليق بمكان عام دون أدنى خجل أو حياء. في زاويةٍ منزوية، كانت "لميس" قد ثملت تماماً حتى غابت عن وعيها، ووضعت رأسها فوق سطح البار الرخامي البارد، منتظرة قدوم صديقتها التي كانت هي الأخرى في حالة سكرٍ طافح، ترقص بابتذال مع شاب مخنث الملامح.
شعر يوسف بتقزز شديد يعتصر جوفه، وأصابه الصداع النصفي من أثر صخب الموسيقى العالية، وبدأ يتحرك بنفور صوب الطاولة ليأخذ الفتاة وينهي هذه المهمة الثقيلة.
لكن، في ثوانٍ معدودة، انقلب المشهد رأساً على عقب!
دوت صيحات مباغتة، واقتحمت قوات "شرطة السياحة" بار الفندق وحاصرت جميع المخارج والمداخل في كبسة مفاجئة. تيبس يوسف في مكانه، والتفت برأسه يميناً ويساراً يحاول استيعاب الموقف المرعب الذي وضع نفسه فيه بسبب عناده مع والده.
لقد تم القبض على الجميع باعتبارهم في مكان مشبوه يقدم كحوليات لقصر، وحين تقدم منه الشرطي، حاول يوسف أن يشرح للضابط موقفه بتلعثم:
"أنا.. أنا جاي هنا علشان.."
لم يستمع إليه أحد؛ إذ اقتيد يوسف مع السكارى، بينما حملت الشرطة لميس الغائبة عن الوعي هي الأخرى، وغادروا جميعاً الفندق وسط جلبة وسيارات شرطة تطلق سريناتها في عتمة الليل.
في الخارج.. كان صخر مشخوص البصر، جاحظ العينين، وخلفه أولاده الأربعة في حالة من الذهول التام. لقد تم القبض على نجله المتزمت "يوسف"، وها هو يصعد ببدنه إلى جوف سيارة الشرطة متهماً في مداهمة لبار!
وما إن فتح صخر باب السيارة لينزل مندفعاً بنخوته الأبوية لإنقاذ ولده، حتى أمسكه سليم من كتفه بقوة ومنعه قائلاً بلهفة:
"مينفعش.. هياخدونا كلنا معاهم لو عملنا شوشرة! إحنا هنروح له القسم!"
-في تلك الأثناء.. بداخل شقة "كارين" الفاخرة بالإسكندرية..
كانت الأجواء مشحونة بالقلق والترقب؛ إذ جلست كارين تذرع الغرفة جيئةً وذهاباً، تنتظر قدوم شقيق زوجها المتوفى أو والده ، وفي كل دقيقة تمر، كان رعبها يزداد.
تمتمت كارين وهي تنظر إلى ساعتها بقلق:
"أنا مستغربة.. لا صخر ولا الحاج صالح حد فيهم جانا الفيلا أو اتصل لحد دلوقتي!"
قهقهت "جيهان" مازحة وهي تحاول التخفيف من توتر والدتها:
"تلاقيهم لسة معاه في المستشفى و محدش أخد باله أننا هربنا يا مامي."
طأطأت كارين شفتيها وهتفت بنبرة يملؤها خوف حقيقي من الغد:
"أنتِ متعرفيش جدك وعمك!"
وهنا، قطعت "صافي" الصمت بسؤالٍ جاف هبط كالصاعقة على الأم:
"مامي.. سيبك منهم دلوقتي، أنتِ معاكِ فلوس؟ هنتصرف إزاي مفيش لا لبن ولا بامبرز لكريم ولا في حاجة في الثلاجة؟!"
نـهـايـة الـلـيـلـة الـتـاسـعـة