حارة العاشقين الليلة السادسة

حارة العاشقين: الليلة السادسة
من سلسلة "حكايات ألف ليلة وليلة"
تسمرت أقدامُ شقيقِ الحكيم يجاوره الفتى "حمزة"—ابنُ شقيقهم المقـتول "مصطفى" الذي قُطف زهرُ شبابه بغتةً وراحت روحه هباءً على يد "كريم الجبالي" في ركنٍ منزوٍ من صالة الوصول بالمطار، يرقبون بآمالٍ متعبة انشقاقَ رداء العتمة عن مسافرهم المنتظر؛ ولم يكن الانتظارُ هناك دعةً أو راحة، بل كان احتقاناً ثقيلاً تدور تحت ظلاله الظنون، لاسيما وأن العائد ليس سوى الطبيب النفسي الحاذق "بشر شوكت المصري"، الشهير بـ "باشا"، الذي طار إليه في بلاد الغرب نعيُ أخيه وهو في سُدّة مؤتمرٍ طبي حافل، يصولُ فيه ويجولُ بلسانِ الحكيم بين أطباء الإفرنج، فقلبت الفاجعـةُ المباغتةُ مجالسَ طبه مآتم، وعاد على عجلٍ يحمل بين جنبيه لوعةً كاوية وثأراً مبيتاً.
وما إن أطلت قامته المديدة من بين بوابات الخروج، حتى شخَصت إليه الأبصارُ مهابةً؛ فلم يكن بشر رجلاً ممَّن تفيضُ مآقيهم بالدمع كعادات النساء والدهماء عند الخطوب، بل كان ظهورُه آيةً في السكينةِ الجافة الباردة؛ فلم يَبْدُ منه في وهلة اللقاء سوى نظراتٍ ساكنةٍ كبحرٍ لجيّ، وهدوءِ أنفاسٍ كادت تصبح متسارعةً من فرط الوجد المكبوت والمفاجأة القاسية لولا أن لجمها بوقاره الطاغي، لتبتلع ريحُ الصدرِ حشرجةَ الأسى، وترتسم على محيّا الفيلسوف تلك الملامحُ الجافية التي كأنها قُدت من صخر. وهو تحولٌ مباغت تراه العينُ في ملامحه، إذ انسلّ من جلباب الطبيب النفسيّ الوديع الذي يداوي لوعات القلوب وجراح العشاق، ليرتدي عباءة "باشا" الشامخ الذي فُجع في أخيه ونبتت في قلبه مخالبُ الانتقام الحاسم؛ وكان هذا الرجلُ بالرغم من صرامته العارضة آيةً في وسامةِ الخِلقة ورجولةٍ طاغيةٍ تأخذُ بمجامع العقول وتأسر الألباب بمجرد حضوره.
ولما بلغت بهم السيارة مأوى أخيه الراحل مصطفى، دلف إلى حيثُ يُسجى الجثمانُ ليودعه الوداعَ الأخير وهو يُغسلُ بالماء والثلج والبرد قبل مواراته الثرى؛ فوقف فوق رأسه وقوف الطود الأشم بين يدي أولاد عمه "شريف" و"عاصي" و"أرغد" رئيس المباحث، يرمق أبن شقيقه بنظرةٍ عميقةٍ تختزلُ عهداً غليظاً، ويمسح بيده القوية على جبينه البارد، في مشهدٍ جليل امتزجت فيه قدسيةُ الموتِ بجبروتِ الحيّ الذي لا يُقهر.
-وعلى الجانب الآخر من المدينة، في شقة عائلة الجبالي، أنهت "صافي" المكالمة الهاتفية ووضعت سماعة الهاتف الأرضيّ على قاعدتها بوجوم، وكأن يداً غيبية قد عقدت لسانها؛ فبقيت شاخصةً غير مصدقةٍ لما تناهى إلى مسامعها من حديثِ عمها "صخر"، الذي رماها بنبأ الخدمة العسكرية التي تنتظر "سليم"، وأعلمها أنه عند خروج أبيه من المشفى سيتخذُ من السطحِ مأوىً مؤقتاً له، ليفصل بين حيزه وحيزها جدارٌ من عزلة.
حاولت شقيقتها "جيهان" أن تستجلي سرّ هذا الوجوم المفاجئ، وحسبت الفتاةَ مأخوذةً بأمرٍ عظيم، فسألتها بنبرةٍ تبتغي الاستفسار:
"مالك يا صافي؟"
فما كان من صافي إلا أن زفرت زفرةً ركامية، وأطلقت تنهيدةً طويلةً تمخضت عنها رئتاها، وهتفت بجفاء:
"مفيش."
بيَد أن جيهان لم تقنع بهذا الجواب الراتب، لاسيما بعد أن أبصرت مآقي الفتاة ترقرقُ بالدمع كغديرٍ حرّكته الريح، فأعادت عليها السؤال مأخوذةً بالشفقة:
"أنتِ ردّيتِ على أنكل صخر؟ خرج من العمليات؟"
وهنا استيقظ في صافي كبرياؤها المعهود، فرفعت حاجبها الأيمن عالياً في حركةٍ تفيض بالغلظة والصلف الأنثويّ، وهتفت بنبرةٍ حادة لتداري وعثاء صدرها:
"خرج وكلمني.. وجايين الصبح."
وعلى وقع هذا الصوت المرتفع، أقبلت "الحاجة فاطمة" تسعى بخطىً عاجلة، بعد أن اخترق طبلةَ أذنها اسمُ نجلها الحبيب صخر، فهتفت بلهفةِ الأمهات:
"صخر خرج من العمليات؟"
أومأت صافي برأسها إيجاباً، وأفرغت ما في جعبتها من أنباء المشفى بعباراتٍ مقتضبة:
"خرج.. كان عنده جلطة قلبية وسيّحوها ونقلوه الإفاقة، وجايين الصبح."
وما إن استقرت الكلمات في الآذان حتى دلف القلقُ إلى جوفِ القلوب؛ فانبرت "صدف" بحرقةٍ وخوف تسأل مجتمع النساء:
"أنا عايزة أروح له المستشفى."
فأجابتها الحاجة فاطمة بنبرةٍ حازمة لا تقبل التراخي ولا تحتمل التردد:
"هي لسة فيها سؤال؟! أنا رايحة."
وفي لمح البصر، تلاحقت أصواتُ زوجات صخر الثلاث كجوقةٍ متجانسة أعلنَّ فيها النفير العام:
"وإحنا جايين معاكم."
التفتت الحاجة فاطمة صوب "الحاج صالح" القابع في ركنه كمن أصابته قارعة، وسألته مستغربةً قعودَه:
"مش جاي معانا؟"
بيد أن الشيخ الكبير غمرته موجةٌ عاتية من الخجل والندم؛ إذ استبد به شعورٌ بالذنب الماحق، وعلم في قرارة نفسه أنه كان السببَ في تهاوي نجله البكر صخر، حين سكب في أذنه كلماتِ الحسد والكره التي كان يضمرها شقيقُه الراحل كريم له ولأبنائه الخمسة، فخشي مواجهة عيني ولده الصريع، وتمتم بصوتٍ واهن خافت:
"مش قادر أشوفه في الحالة دي."
طأطأت الحاجة فاطمة شفتيها تعبيراً عن ضيقها بضعف الشيخ، وهتفت بنبرةٍ أثقلها التعب وهي تدثر جسدها بالعباءة وتُحكم الحجابَ حول رأسها استعداداً للمغادرة:
"لازم تكون موجود علشان تطمن عليه."
-وفي غمرة هذه الجلبة والصخب، وحين كان القومُ يجمعون أمرهم ويرتدون ثياب الرحيل، انفتحت في خلفية المشهد ثغرةٌ لم تكن في الحسبان؛ فكانت تلك الساعاتُ المقتربة هي الفرصةَ الذهبية الوحيدة التي انتظرتها "كارين" بفارغ الصبر، لتبدد القيود وتفرّ بأولادها الثلاثة بعيداً عن هذا العرين الموتور بعد أن صُدمت بأفعال زوجها الراحل كريم. وجعلت ترقبُ حركاتهم بعينين حذرتين، والكل مشتغلٌ بعمرة السفر نحو المشفى والاطمئنان على صخر، فلم يلتفت إلى مكرها أحد، ولم ينتبه لخطتها لبيب.
ـ نهاية الليلة السادسة