حارة العاشقين: الليلة الثالثة
من سلسلة "حكايات ألف ليلة وليلة"
تسمرت قدما "سليم" في مكانها وقد دهمته غاشيةٌ من خيبةٍ مريرة؛ حين أبصر "الحاجة فاطمة" وقد انفضت من حوله متخليةً عن نصرته، فتمكنت منه لوعة الأسى على والِدةٍ سيقتحم الحزنُ قلبها كمداً عليه، في الوقت الذي انطلقت فيه نظراتُ الزهو والانتصار من مآقي زوجة عمه الراحل وبناتها، يرمقنه بشتات الإهانة. وفي تلك السكينة الموتورة، انسلّ كلبُ سليم من غياهب الغرفة مقتحماً الردهة؛ فارتجف الفضاء بصرخةٍ ذعرت لها أركان "صافي" التي قفزت فوق المقعد بهلعٍ طفولي. انحنى سليم بجسده اليافع يربتُ على رأس أليفه في وئاد، محركاً حدقتيه بنظراتٍ متبادلة، ذات مغزى، استقرت عند عيني صافي الواجفتين.
هتفت الحاجة فاطمة بنبرةٍ آمرة:
"اربط الكلب يا سليم."
فما كان من سليم إلا أن لاعب حاجبيه عالياً باستهانةٍ ومرح، وهتف مشاكساً:
"هو ده اللي هيربيها."
وعلى عتبة باب المستودع الغارق في عتمته، وقف "صخر" شامخاً بملامح وقورة، وقال بجديةٍ قاطعة:
"خلينا نتكلم في المستودع أحسن."
وما إن دلف وتَبِعته "مياسين" وبناتها الثلاث بخطواتٍ تملأها الريبة، حتى صدح صوته منادياً والده؛ فخرج الشيخُ الكبير من جوف "الشادر" المنصوب للعزاء، ترتسم على وجهه علامات الاستفهام، وسأل باستغرابٍ جلي:
"في إيه يا صخر؟"
استدارت "مياسين" نحوهما، وخرج صوتها الرخيم ناضحاً بتحدٍّ صريح وكبرياءٍ أنثوي لا يلين:
"أنا مياسين مرات كريم الجبالي، وبناته من حقهم يحضروا جنازة أبوهم."
هبطت الكلمات كالصاعقة المروعة، فخرقت الصمت وسادت دهشةٌ طاغية تملكت ملامح الحاضرين، لاسيما الوالد الذي تيبست أطرافه تواً وهو يكتشف أن نجله الراحل قد عاش عمراً موازياً وراء ظهورهم، متزوجاً في الخفاء ومستولداً ثلاث بنات. تهاوى جسد "الحاج صالح" الواهن واستند بثقله المتعب على سطح المكتب الخشبي القابع خلف ظهر صخر، وصرخ بنبرةٍ يتردد فيها صدى عدم التصديق والإنكار الشديد:
"أنتِ بتقولي إيه؟!"
ردت مياسين بحدةٍ تقطع الشك باليقين، نافيةً عن نفسها تهمة العوز:
"اوعي تفتكر إني جاية طمعانة في ميراث كريم.. اتجوزني وهو عارف إني مش محتاجة فلوسه، لأن عيلتي غطت خسارة الشركة بنسبة ستين في المئة، وهو كان أربعين في المئة بس."
تراجع الحاج صالح خطوة وجلس على المقعد واهناً، بينما استند صخر بظهره إلى مسند الكرسي مسبغاً على نفسه أريحيةً مصطنعة يخفي وراءها اضطراب ظنونه، وسألها بهدوءٍ متحفظ يترقب الجواب:
"وليه مقلتيلناش إنك متجوزة ومخلّفة منه؟"
فجاءتها الإجابة لتزيد المشهد تعقيداً:
"لأن اتجوزت كريم في إنجلترا، ولما عرفت بوفاته قلت إن من حقكم تعرفوا إن عنده بنات، ومن حقهم يعيشوا في حماية جدهم وعمهم."
ثم لوحت بكفها الأيمن بنفاد صبرٍ جاف، بعد أن نبشت في حقيبتها وأخرجت شهادات الميلاد ووثيقة الزواج الرسمية، ووضعتها فوق سطح المكتب الخشبي ليتناولها صخر ويفحصها، وأردفت قائلة:
"أنا مش عايزة منكم حاجة، وهرجع بالبنات إنجلترا بعد نتيجة التحليل ما تظهر.. أنا مكنتش عايزة بنات كريم يعيشوا في مجتمع منفتح."
وما إن لملمت شهادات الميلاد وأعادتها بحرص إلى غيابة حقيبتها، حتى جالت بعينيها الحادتين في أرجاء المكان تبحث عن آلةٍ حادة؛ فالتقطت مقصاً بيدٍ ترتجف أطرافها من أثر اللحظة، وعادت بخطواتٍ وئيدة نحو كل بنتٍ من بناتها، لتقص من شعورهن خصلةً صغيرة كعينةٍ لإثبات النسب. كان هذا المشهد الغريب والمشحون بالغرابة يدور تحت نظرات صخر والحاج صالح، الذين تسمروا في صمتٍ مذهول، مشلولين عن إبداء أي رد فعل.
ولما اطمأنت مياسين على وضع العينات في مكانٍ آمن، استدارت وغادرت المستودع بخطى حازمة، تاركةً خلفها علامات استفهامٍ ضخمة معلقة في هواء الغرفة الراكد.
تنفس صخر الصعداء تنهداً بضيقٍ شديد، التفت إثره إلى والده وسأله بوجل:
"هنعمل إيه يا حاج؟"
فأجابه الحاج صالح بحسمٍ صارم شابتْه نبرة الحزن:
"هناخد العينة ونتأكد."
أحس صخر بوطأة التعب على ملامح أبيه الشاحبة، فطلب منه الصعود إلى الدار قائلاً برفق:
"أنت شكلك تعبان.. اطلع ارتاح."
بيد أن الحاج صالح أجابه بنبرةٍ مخنوقة بالمرارة:
"هتيجي منين الراحة؟ أخوك طلع متجوز وعنده تلت بنات.. مش مكفيه إنه عاش عمره كله شبه الغريب بينا."
فبادره صخر بسؤالٍ يجس به نبض الندم القديم:
"يعني لو كان قالك إنه عايز يتجوز على كارين.. كنت هتعترض ولا توافق؟"
شخص الحاج صالح ببصره المتعب نحو وجه صخر، ورمقه بنظرةٍ تحمل عتباً دفيناً:
"ما أنت اتجوزت تلاتة.. كنت اعترضت؟ أخوك كان عايز يقلدك."
فرك صخر كفيه ببعضهما البعض، وسرت على شفتيه ابتسامة ساخرة، وسأل بتهكمٍ مبطن:
"هيقلدني في إيه؟ كل ظروفه كانت أحسن مني.. تعليم ونسب."
وهنا تهالك صوت الحاج صالح وخرِج ضعيفاً حزيناً:
"عندك خمس رجالة.. وهو عنده خمس بنات."
اتسعت عينا صخر وحملقت في وجه أبيه مأخوذاً بالذهول، وهتف مسائلاً:
"أنت بتقول إيه؟! ما هو عنده كريم."
تهكم الحاج صالح على طمع نجله المتوفى وضيق بصيرته، وقال بألم:
"كريم لسة بيرضع ملحقش يفرح بيه.. ولادك الخمسة كانوا..."
قاطعه صخر بنبرةٍ توسلية تشي بنفاد طاقته على الاحتمال:
"كفاية.. أنا اللي هطلع لأن تعبان..."
أراد الحاج صالح أن يهون على قلب نجله ويسكب السكينة في روحه الموتورة، فقال بصوتٍ واهن:
"عايزاك تسامحه."
اغرورقت عينا صخر بالدموع حين تيقن من حقيقة الأمر المأساوية التي أفضاها إليه والده، وتمتم بلوعة:
"ياريتك ما قلت لي.. هبص في وشهم إزاي؟ هبص في وش ولادي إزاي وأنا حاسس إن هما سبب حسرة عمهم؟"
ربت الحاج صالح على كتفه بكفٍ حانية، محاولاً إزاحة الذنب عن عاتقه:
"وأنت ذنبك إيه وولادك ذنبهم إيه؟ هو اللي محمدش ربنا.. كان عنده المال والبنون وهو كان ناقم على عيشته، مش عجباه خلفة البنات."
ثم أردف موصياً إياه بلهجةٍ تحمل وصية الأيام الأخيرة:
"أنا عايزك تعوض البنات.. يعني عدي لهم أي حاجة، هما لسة مش واخدين علينا، وكريم محتاج أب."
مسح صخر وجهه بكفيه يطرد غشاوة الضياع، وهتف بتخبطٍ مشحون بالمسؤولية:
"حاضر."
اتكأ الحاج صالح على ذراع نجله، وغادرا المستودع بخطى ثقيلة، حتى إذا ما توقفا في منتصف "الشادر"، رفع للشيخ صوته ممتناً للمعزين:
"شكر الله سعيكم."
فارتفعت أصوات الحاضرين بالرد والدعاء:
"البقاء لله.. ربنا يجعلها آخر الأحزان يا حاج."
أشار صخر لأحد الموظفين القائمين على الخدمة، وأوصاه بصوتٍ منخفض:
"تراضي الرجالة وتساعدهم."
فرد عليه العمال وهم يطوون السجاد ويفككون كشافات الإنارة ويجمعون المقاعد:
"متشكرين يا معلم صخر.. البقاء لله."
دلف صخر بوابة بناية الجبالي، وشق طريقه صاعداً درج السلم وهو يسند جسد والده المتهالك، وفجأةً تناهت إلى مسامعهما جلبةٌ وأصواتٌ متداخلة، فسأل الحاج صالح مستفهماً:
"إيه الصوت ده؟"
أجابه صخر بسخريةٍ مريرة لا تخلو من ضيق:
"صوت صافي وسليم بيتخانقوا."
توقف الحاج صالح مستنداً إلى سياج الدرج الخشبي، وقال بإنهاك:
"اطلع شوف في إيه."
أومأ صخر موافقاً، وتابع صعود الدرج بخطواتٍ متسارعة، بينما رمقه الحاج صالح بنظرةٍ حزينة وتمتم بمرارةٍ وتعب:
"كان لازم تعرف الحقيقة وتخفف عني الهم."
وما إن وطئت قدما صخر الطابق العلوي ووقف أمام الشقة، حتى حملقت عيناه بذهولٍ واستنكار عندما رأى الباب الخشبي موارباً على مصراعيه، فهتف بحدة:
"مين سايب باب الشقة مفتوح إحنا قاعدين في الشارع؟"
جاءه الرد من "الحاجة فاطمة" التي كانت تقف كالسد المنيع أمام "صافي" التي تحتمي بخلفها وترتجف ذعراً:
"صافي خايفة من الكلب.. خلي سليم يربطه."
دارت عينا صخر في أرجاء المدخل، فوقعت على حقيبة سفرٍ ضخمة ملقاةٍ بإهمالٍ على الأرض، فسأل بنبرةٍ متوجسة:
"شنطة مين دي؟"
أجابه سليم وهو لا يزال يربت على رأس كلبه ببرودٍ مستفز:
"شنطتي أنا.. أصلي اِطردت من الأوضة واخدتها صافي."
كان سليم يرقب وجه والده، منتظراً في أعماقه أن ينتصر له ويقف في صفه، غير أن عقلاً ومسامع لصخر كانت تعج بكلمات أبيه ووصاياه، فجاء رده حاداً مباغتاً لم يتوقعه أحد:
"أنا مش قلت الكلب ميدخلش البيت علشان الصلاة؟!"
ساد وجومٌ تام، فلم يكن هذا الرد العنيف هو ما يترقبه الحاضرون؛ فانبرت "نجوى" تهتف بحنقٍ وعتاب:
"أنت مش هتقول حاجة؟! ابنك اِطرد من أوضته!"
شعر صخر بطنينٍ مدوٍّ يجتاح رأسه، وألقى بسلسلة مفاتيحِهِ على الأرض بعنفٍ تلاشت معه الرؤية من أمامه، وأمسك برأسه الذي كاد ينفجر من فرط التفكير وتزاحم الهموم، وتمتم بنبرةٍ مخنوقة تحشرجت في حلقه:
"اللي عايز يمشي..."
ولم يمهله جسده المنهك أن يتم جملته؛ إذ تلاشت قواه تماماً، وسقط على الأرض مغشياً عليه، ليفترش جسده الطويل الثرى وسط صرخات الذعر والخوف التي انطلقت من حناجر الجميع تتوسل نجاته.
ـ نهاية الليلة الثالثة