حارة العاشقين الليلة الأولي

حارة العاشقين: الليلة الأولى  
من سلسلة "حكايات ألف ليلة وليلة"
استجمعت "شهرزاد" شتات أنفاسها التي كادت أن تزهقها قبضة "شهريار" الغليظة حول عنقها، فأخذت نفساً عميقاً يتردد في جنبات صدرها المضطرب، بينما راحت ترنو إليه بعينين يمتزج فيهما دهاء الأنثى بتحدي الفارس الذي لا ينكسر، مبصرةً في سواد عينيه ذلك الشغف المستعر لمعرفة ما تخبئه لها الأقدار في طيات حكاياتها؛ وما إن استشعرت ارتخاء قبضته وتلاقي نظراتهما في صمتٍ بليغ، حتى أدرك هو أنها لن تكف عن الغواية بالسرد، فاستوى جالساً على أريكته، مشيراً إليها ببدء الحكاية من جديد، في صراع إراداتٍ خفيّ تجاوز حدود الحكاية ليصبح معركة بقاء بين ذكائها المتوقد ورغبته الجامحة.
بعد أن ووري جثمان الفقيد "كريم الجبالي" الثرى، وانقضت مراسم الدفن لتبدأ مراسم العزاء المثقلة بالضغائن، امتدت يد "سليم" لتقديم واجب العزاء بوقارٍ صامت، وخلفه اصطف أشقاؤه الأربعة كالبنيان المرصوص، بينما كان والده "صخر" يقف خلف رتاج الباب، يراقب بحدّةٍ بصريةٍ مذهلة تلك النظرات المتطايرة من عيني "كارين"، زوجة أخيه المتوفي، التي كانت تغالب انكسارها بكبرياءٍ زائف.
قال سليم بصوتٍ خفيضٍ يقطر وقاراً: "الباقية في حياتك يا صافي."
نظرت إليه "صافي" بقلبٍ أعماه حقدٌ دفين، وهي تتساءل في سكون روحها المضطربة عن ذلك الإعجاب الساكن في أعماقها تجاهه رغم كل ما يفرق بينهما من فجوات، ثم جلست على مقعدها في وضعيةٍ تنضح بالتحدي، واضعةً ساقاً فوق الأخرى بصلفٍ لا يتناسب وجلال الموقف، وهتفت بنبرةٍ متعالية:
"لسة فاكرين تسألوا علينا؟"
هز "صخر" رأسه تأييداً لموقفها المترفع، ثم أردف بغلاظةٍ زادت من لوعة قلبها الحزين:
"عندك حق، لكن كريم كان مانعكم تزورونا علشان إحنا عايشين في حارة."
تبسمت صافي ابتسامةً باهتة، وعيناها تشردان في أفقٍ بعيد وهي تلقي بإجابةٍ صادمة:
"ولما مات ظهرتوا فجأة."
انطلقت ضحكة شقيقتها "جيهان" مفعمةً بالسخرية المرة، متهكمةً بنبرةٍ جارحة:
"جايين لما مات علشان الميراث؟"
تجهمت ملامح "صخر" وعلت وجهه غبرة الغضب، فأجاب بنبرةٍ تحذيريةٍ حاسمة:
"أنا ساكت احتراماً لوجود الحاج صالح، وأننا في بيت كريم."
هنا، تدخل "الحاج صالح" بصوتٍ جهوريٍّ صارم لا يقبل المراجعة أو الجدال، لينهي تلك الملاسنات بحزمٍ أبويّ:
"صوتك ما يعلاش وأنا موجود ومينفعش وجودكم لوحدكم هنا، أنتِ وبناتك. هتيجوا تعيشوا معانا في بيت الجبالي."
كادت أنفاس "كارين" أن تنقطع من فرط ما اعتراها من غضبٍ مكتوم، وهي التي لم تعتد الإذعان، فصرخت في وجهه بإصرارٍ مستميت:
"أسيب بيتي وأجي أعيش في بيت الجبالي؟ أنت أكيد مش في وعيك!"
إلا أن الحاج صالح لم يتراجع، بل صدح صوته بقوةٍ زلزلت كيانها، ملوّحاً بقدرته على انتزاع حفيده منها بقوة القانون:
"خليكِ هنا براحتك، لكن أحفادي محتاجين أب، وخصوصاً كريم. أنا ممكن بجلسة محكمة أحرمك منه."
وعندما حاولت كارين الاسترسال في الذود عن نفسها، شعر صخر بقلبه ينفطر لمرأى الأسى في عينيها، لكنه لم يملك إلا أن يصدق نبرتها الواثقة وهي تهتف بمبدأ الأمومة الأقدس:
"ماحدش يقدر ياخد كريم مني!"
ازدردت "جيهان" ريقها بصعوبةٍ بالغة، وبدا القلق جلياً في نبرتها وهي تقول:
"إحنا مش موافقين نعيش معاكم في بيت الجبالي. هو بالعافية؟! إحنا ما نعرفكمش غير أن بابا كان بيحكي لنا عنكم حكايات مش عايزين نعرفها ولا نصدقها."
رمقها الحاج صالح بنظرةٍ حادةٍ اخترقت ثباتها، ثم قال بهدوءٍ ثقيل الوطأة:
"أنا هقولك إحنا مين."
وبخفةٍ وحزم، حمل الحاج صالح حفيده بين ساعديه، فكادت كارين أن تنفجر لوعةً وهي تصرخ: "سيب كريم!"
فأجابها بصرامةٍ قاطعة وهو يهمّ بالمغادرة: "حفيدي هيتربى في حضني، ومفيش محكمة هتوافق أنه يعيش مع أمه الأرملة وجده عايش."، ثم تبعه ابنه الأكبر وأحفاده الخمسة، ليوصدوا خلفهم باب المنزل بقوةٍ دوت في أرجاء الصمت الثقيل.
اتسعت عينا كارين ذهولاً أمام سطوة ذلك المسن وقوة منطقه الذي لا يرحم، فاستندت بكفيها فوق سطح الطاولة كمن يغرق ويتمسك بالقش، وهتفت بأسىً يمزق الروح:
"أنا عايزة ابني! أنا موافقة أعيش في بيت الجبالي، لكن كريم ما يبعدش عني."
اعترضت صافي بنبرةٍ حادةٍ ترفض الخضوع لهذا المصير:
"لأ يا مامي، ده مش قرارك لوحدك! أنا مش هقدر أعيش في بيت الجبالي، هفضل في الفيلا."
وفي غضون ذلك، كان "صخر" يقود سيارته عبر دروب المدينة، بينما يحتضن الحاج صالح حفيده الصغير بين ذراعيه، فسأله صخر بصوتٍ يملؤه التوجس من تداعيات هذا القرار:
"إحنا ما ينفعش نحرمها من ابنها يا حاج."
تجهم وجه الحاج صالح، ثم أجاب بنبرةٍ هادئةٍ تخفي وراءها دهاءً فطرياً ومكراً لا يلين:
"كارين عنيدة، وهتعمل أي حاجة علشان ترجع ابنها. أنا عايزك تسبق وتكلم المحامي يوقف حساباتهم في البنك، ويقطع عليهم المياه والكهربا."
عقب سليم بنبرةٍ مشوبةٍ بالاستياء مما لمسه من جفاء:
"أنا مش عارف إيه أسباب كرههم لينا. شفتوا صافي وجيهان بيكلمونا إزاي!"
وبعد رحيل آل الجبالي، انفجرت كارين في نتحيبٍ مرير، وطلبت من بناتها الاستعداد للرحيل القسري:
"هنروح بيت الجبالي، هحاول أقنعهم."
لكن "صافي" عادت لتعترض بصلابتها المعهودة:
"لأ يا مامي، ده مش قرارك لوحدك! أنا هفضل هنا في الفيلا!"
صاحت كارين بلوعةٍ حارقة والدموع تترقرق في مآقيها، منهرّةً ابنتها بحدة:
"أنتِ مش بتحسي! أخوكِ عايزين ياخدوه بالمحكمة!"، ثم لوحت بسبابتها في حركةٍ تحذيريةٍ قاطعة: "هتيجي معانا غصب عنك."، قبل أن تلتفت إلى جيهان قائلة: "مش عايزين جدال معاهم. الطريقة دي هتخليهم يعاندوا."
طأطأت صافي رأسها بخجلٍ غير معهود، وهتفت بهدوءٍ لم تعتده: "حاضر يا مامي."
قالت كارين وهي تجالب غضبها ويأسها المتصاعد: "هكلم المحامي، ممكن يقدر يتصرف معاهم.. جهزوا شنطكم، وأنا هكلم المحامي."
وبينما كانت كارين تجري اتصالها الهاتفي، كانت نبرتها تعكس انكساراً مهذباً: "أستاذ كمال، مساء الخير."
أجابها المحامي: "البقاء لله يا مدام كارين."
ردت بصوتٍ مثقلٍ بالهموم: "حياتك الباقية.. أستاذ كمال، عيلة الجبالي عايزين يرفعوا دعوى ياخدوا مني كريم."
فأوضح لها المحامي مرارة الواقع القانوني بكلماتٍ كأنها نصل سكين: "لو جد الطفل رفع دعوى وصاية، القاضي هيحكم له من أول جلسة، لأن حضرتك أرملة وهو أحق واحد بتربيته، وبعدها الوصاية بتروح لأخو الزوج المتوفي."
تنهدت بضيقٍ شديد، وقالت بحنقٍ مكتوم: "مرتب حضرتك موجود زي ما هو حتى بعد وفاة كريم."
فتبسم المحامي بأسى، ليزف إليها الخبر الذي قصم ظهر صمودها:
"مدام كارين، حساباتكم في البنك اتجمدت. أنا رأيي تتكلمي معاهم بهدوء علشان توصلوا لحل."
خرج سليم إلى ساحة المستودع ليشرف على العمال، حيث توقفت شاحنة ضخمة لتفريغ كراسي الجلد وكشافات الإنارة الضخمة والسجاد الذي سيغطي أديم الأرض، تمهيداً لاستقبال القارئ الذي سيرتل آيات الذكر الحكيم عبر مكبرات الصوت التي عُلقت في كل زاوية، ليكون كل شيءٍ مهيأً على أكمل وجهٍ لاستقبال المعزين.
وما إن وصلت النسوة إلى "حارة الجبالي"، حتى توقفت "جيهان" بسيارتها في منتصف الطريق، مسببةً اختناقاً مرورياً حاداً، فاقترب "أرغد" بخطواتٍ واثقة ونقر بأصابعه على زجاج النافذة، مشيراً إليها بلهجةٍ لا تخلو من الحدة: "ارجعي ورا بالعربية."
أومأت برأسها إيجاباً بعد أن أنزلت الزجاج: "ثانية، أركن العربية."، لكنه تجاهلها ببرودٍ وأكمل حديثه مع سليم.
وعندما ابتعد سليم ليجري اتصالاً مع والده، أومأت كارين لبناتها قائلة بمرارةٍ من يجرّ أذيال الهزيمة: "سليم بيكلم صخر، بيقوله أننا خوفنا وسمعنا كلامهم. جاهزين يا بنات؟"
ترجلن من السيارة، وحملن حقائبهن استعداداً لمواجهة هذا المصير المجهول بين جدران بناية الجبالي، وفي الأفق كانت نذر مواجهةٍ داميةٍ تلوح، مما دفعهن للركض نحو الداخل هرباً من رصاصٍ وشيك.
ـ نهاية الليلة الأولى