لحظات أنوثة اللحظة الثانية

لحظات أنوثة: اللحظة الثانية 
من سلسلة "حكايات تفاحة آدم"
في ذات اللحظة التي كانت شمس الصباح تشرق فيها ببرودٍ يلف أركان المدينة، استيقظ الاثنان؛ كان "آدم" يغالب ثقلاً مريباً جثم على جفنيه، مخلّفاً وراءه إرهاقاً صاخباً لليلةٍ لم تمنحه سوى الخواء، في حين كانت "كارمن" تسترد وعيها ببطءٍ مرير من مفعول أقراص المنوم القسري، الذي تجرعته رغبةً في نيل قسطٍ من السكون والسكينة الهاربة من لياليها الطويلة.
وفي تزامنٍ روحيّ غريب لا يدريان عنه شيئاً، تحرك جسداهما في بقعتين متفرقتين من المدينة بذات الآلية الكسولة؛ دلف كل منهما إلى مرآة حمامه، وبدآ في غسل وجهيهما بالماء البارد علّه يطرد غشاوة التوجس والكسل، ثم شرعا في تنظيف أسنانيهما أمام زجاج المرآة؛ كان آدم ينظر إلى ملامحه الحانقة المنهكة بضيق من يومه الطويل المقبل، بينما كانت كارمن ترنو إلى تفاصيل وجهها بنظراتٍ مجهدة، تحمل عتباً دفيناً لملامحها الأنثوية الرقيقة التي باتت تؤرق عزلتها وتثقل روحها.
وعند خزانة الثياب، تجسّد الصراع النفسي في أبهى صوره، كانت كارمن تخلع ثياب نومها لترتدي ذلك "الأفرول" الفضفاض الخشن؛ دثرت به جسدها كأنه درعٌ حديدي صُنع خصيصاً لطمس معالم أنوثتها وإخفاء انحناءاته الجريئة، في حالة إنكارٍ وخجلٍ مرير تنأى به عن مواجهة فتنتها أمام مرآة نفسها قبل أن تحجبها عن نظرات الرجال في الخارج.
وكان آدم قد استيقظ وفي جفنيه ذلك الثقل المريب، إذ لم يكن صخب الليلة السالفة ليمنحه سكينة المستريح، بقدر ما أورثه إرهاقاً مخملياً تغلغل في أوصاله؛ وبخطواتٍ تثاقل فيها جسده المنهك، شرع في ارتداء ثيابه وهو يزفر ضيقه، ليفاجأ بوالده واقفاً في مواجهته كالسد المنيع، وعيناه تطلقان شرارات حسمٍ لا لين فيه.قبل أن ينطق آدم ببنت شفة، امتدت يد والده الصارمة لانتزاع بطاقاته الائتمانية، فضلاً عن مفتاح سيارته الفارهة الرابضة أسفل البناية، وهتف عز الدين بنبرةٍ تقطر سلطةً مطلقة:
"من النهاردة مفيش عربية، ولا حساب في البنك، مكان شغلك في الأرشيف!"
حاول آدم استرضاءه وعيناه تتسعان ذهولاً من هول العقوبة المباغتة التي جرّدته من كبريائه ونزعت دلاله: "هروح الشركة إزاي..."
فدفعه والده بعيداً عنه جاعلاً كلماته بمثابة حكمٍ نهائي: "اركَب مواصلات وأشوف الرجالة وهي رايحة شغلها واتعلم منهم!"
غادرا البيتين في ذات الدقيقة، لتبدأ رحلة المعاناة الصامتة عبر طرقات المدينة؛
فقد وجد آدم نفسه لأول مرةٍ يخطو على أرصفة الشارع كعابرٍ منسي لا يملك ثمن رفاهيته السابقة.
وفي خطٍّ متوازٍ تملأه الرصانة، اندمج الاثنان لأول مرة بالصدفة المحضة في جوف المواصلات العامة رغماً عن اختلاف وجهتيهما؛ إذ شاء القدر أن تجمع حافلةٌ عامة واحدة مزدحمة خطوط مصيريهما المتباينة. كان آدم واقفاً يزفر ضجره باحتقار وسط حشود الناس العاديين، يشعر بأنفاسهم الثقيلة تلتهم ما تبقى من وقاره، يرتدي قميصه الأبيض الذي تجعد غطاء نضارته، عاقداً ساعديه بملل، مغطياً عينيه بنظارته الشمسية الثمينة كآخر حصنٍ يحمي به كبريائه المهدور من زحام الحافلة المتهالكة؛ ولم يلتفت إلى تلك الفتاة التي ترتدي "الأفرول" الخشن بجواره، ظاناً إياها مجرد موظفة كادحة لا تستحق عناء النظر.
وكانت كارمن تقبع في زاويةٍ منزوية تكاد تلتصق به من شدة التدافع، عاقدةً ساعديها فوق صدرها، غارسةً يديها في جيوب أفرولها الخشن، وفي تلك المساحة الضيقة الخانقة، تلاقت نظراتهما فجأة عبر المرآة المشروخة المعلقة أمام السائق؛ فضاق صدر كارمن ذرعاً باقترابه الجسدي، وبادرت بخرق الصمت بنبرةٍ باردة حادة، ظناً منها أن هذا الشاب الوسيم المستهتر يحاول التحرش بها مستغلاً التكدس، وأمرته قائلة:
"ما تبعد شوية.. مش كفاية الحر!"
رمقها آدم بنظرةٍ تقطر تكبراً واستعلاءً، وأجابها بجفاء: "أنا جيت جنبك؟"
وفي غضون دقائق معدودات، دارت بينهما مشاجرة حامية وطيسها انطلقت شرارتها أمام الركاب؛ فما كان من كارمن إلا أن اندفعت بقوة تلمم خيوط غضبها، وقبضت بضراوة على ياقة قميصه المجعد، بينما راح هو الآخر يحاول تخليص نفسه آمراً إياها بترك ثيابه وصاح بنبرة تأنف الموقف:
"نزلي إيدك! أنا محترم نفسي علشان أنتِ ست.. مع أنك لا ست ولا حاجة!"
سقطت كلماته كالنصل الحاد لتطعنها في أعمق مواطن ضعفها؛ في أنوثتها الخفية التي تبذل كل جهدها لإنكارها، لتجد نفسها متهمة بقلة الأنوثة في هذا الموقف الذي لا تُحسد عليه أمام النواظر، فهتفت بحدة وعناد يخفي انكسارها:
"أمال لاصق فيا ليه؟"
تدخل "الكمسري" على الفور، وانبرى بعض الرجال والنساء يفضون الشجار المحتدم بينهما تعالت أصواتهم:
"خلاص يا آنسة.. خلاص يا أستاذ.. صلوا على النبي."
بيد أن غضب كارمن المتفجر لم يخمد، فدفعت آدم بكفها دفعةً قوية أخلت توازنه، ليتهاوى بجسده ويقع فوق أحد المقاعد الجلدية المهترئة في الحافلة؛ ولرؤية هذا الشاب الوسيم ينهار هكذا، أطلقت بعض النساء الواقفات ضحكاتٍ مجلجلة ومتهكمة عليه، مما أثار حنقه الشديد وجرح كبريائه كرجل؛ وفور أن استجمع آدم شتات نفسه ونهض يعدل من هندام ملابسه وعيناه تقدحان شرراً، قذف في وجهها بقسوة تلك الحقيبة الجلدية التي كانت في يده، من فرط هيبته وضياع تركيزه حتي إنه نسي أن بداخلها هاتفه المحمول وأوراقه الشخصية الثمينة! فارتطمت الحقيبة بها، وانطلق الرجال في الحافلة يضحكون على مظهرها الساخر بالأفرول.
لم يجد السائق بداً من حسم هذا الصخب، فانحرف بالحافلة صوب الرصيف وتوقف فجأة قبالة نقطة الشرطة، وصاح بنبرة حازمة لا تقبل الجدال:
"انزلوا هنا أنتوا الاتنين.. واللي ليه حق ياخده في القسم!"
شخصت أبصار آدم وكارمن معاً نحو لافتة قسم الشرطة، وفي لمحة بصر، تلاشت نيران الخصومة ليحل محلها رعب مباغت من دهاليز المحاضر والتحقيقات؛ فعدلا من مظهريهما سريعاً، واختفت حدتهما، وهتفا في ذات الوقت بنبرة متوسلة وخائفة:
"لأ خلاص.. المسامح كريم، أنا عندي شغل!"
ونزل الاثنان من الحافلة يلوذان بالفرار في اتجاهين مختلفين، دون أن يدري آدم أنه ترك خلفه أوراق عمره في يد الفتاة التي سلبته كبرياء الصباح، ودون أن تعلم كارمن أن "زميل الأتوبيس" المشاكس ليس سوى التفاحة المحرمة التي ستقلب حياتها رأساً على عقب.
ـ نهاية اللحظة الثانية