حارة العاشقين الليلة الرابعة


حارة العاشقين: الليلة الرابعة
من سلسلة "حكايات ألف ليلة وليلة"
انفجر البيتُ الجباليُّ في تلك الليلة انفجارَ صدرٍ كظيمٍ احتبس في غياهبه دخان الأسرار الثقيلة عقوداً طوالاً حتى غصَّت بها جنباته، فما إن تهاوى "صخر" بجسده الفارع على أرضية الشقة متأثراً بوقيعة الكلمات كعمودٍ رخاميّ تصدع في قلب معبدٍ أثريّ عتيق، حتى تلاشت طمأنينة السكون الزائفة، وتحولت تلك الجدران التي طالما تستر خلفها صخب العائلة بأوهام التماسك الصوري إلى مسرحٍ مشحون بذهول الفزع وعويل النساء ووجوم الترقب المريب؛ إذ اندفع الجميع نحوه في وهلةٍ واحدة تحركهم غريزة الذعر البدائي الذي يصيب البشر حين يعاينون القويَّ صريعاً لأول مرة، ويرون الجبلَ الأشم الذي استندوا إليه يتداعى مستسلماً أمام أعينهم وكان "سليم" أول من اخترق ذهول الصدمةِ جدار تردده المعهود، فألقى بنفسه في عفويةٍ صارمة على ركبتيه إلى جوار أبيه المسجى، محنياً قامته اليافعة فوقه بعينين اتسعتا بذعرٍ حقيقي لم يذق قلبه المستهتر طعمه من قبل، ليدسّ ذراعه الغضة تحت كتفي أبيه المنهك ويرفعه بعجلةٍ شابها الارتباك الشديد كمن يخشى أن تسبقه يدُ المنون المتسللة في العتمة، في الوقت الذي كانت أنفاسه المتقطعة تضرب جدار صدره بوعيدٍ موجع؛ إذ لم يعد في تلك الدقيقة الرهيبة خصماً عنيداً يبتغي التمرد ولا ابناً عاقاً يطلب الجدال، بل عاد طفلاً فزعاً يروم انتزاع أبيه وسنده من هوةٍ سحيقة لا يبصر لها قراراً.
وفي الخلفية المكلومة، انبعثت أصوات النساء دفعةً واحدة كجوقةٍ جنائزية مزقت الفاجعة نياطها؛ فأطلقت "الحاجة فاطمة" صرخةً مديدة خرجت من أعمق نواحي روحها المرتجفة، وانفجرت "صدف" بنحيبٍ مرير وهي تطبق كفيها فوق فمها كأنما تحاول حجب الرؤية عن ناظريها اتقاءً لمواجهة الحقيقة المباغتة، بينما تعالت شهقات زوجات صخر الثلاث وبناته في فوضى عارمة تمازجت فيها أسماء الله الحسنى بالاستغاثات الحارة والرجاء المكسور، حتى الطفل الصغير "كريم" استبد به فزع الجلبة فانخرط في بكاءٍ طفولي حاد كأن قلبه الغض التقط من حواشي الجو نذير الشؤم قبل أن يدرك عقله المعنى، وزاد نباح الكلب المحتدم من وحشة المشهد وأساه وهو يدور حول سليم وصخر في اضطرابٍ محموم يعوي عواءً شجياً كأنه يستشعر إفلات سيد البيت من بين أيديهم إلى جهةٍ بعيدة لا يملكون اللحاق بها.
وفي ذات اللحظة التي كانت الردهة تموج بصخبها، كان "الحاج صالح" يشق طريقه صاعداً الدرج بقدميه الواهنتين مستنداً إلى السور الخشبي كشيخٍ أثقلت كاهلَه السنون البالية والخطايا المكتومة معاً، غير أن تلك الأصوات الناشزة التي انبعثت من الأعلى جعلت نياط قلبه تتوجس توجس المذنب الذي يخشى معاينة عاقبة اعترافه، وما إن بلغ منعطف الدرج الأخير حتى بغته سليم يهبط نحوه كالسيل الجارف حاملاً صخر بين ذراعيه؛ فارتد الشيخ إلى الوراء خطوتين مبهوتاً وشحب وجهه حتى بدا كأنه يشهد جنازة ابنه لا ابنه نفسه، بينما دوّى صوت سليم في أرجاء السلم بلهجةٍ مشروخة الهلع:
"يوسف! انزل افتح باب العربية..!"
فاندفع يوسف وإخوته الثلاثة كالسيل خلفه لا يدرون أيركضون خوفاً على أبيهم أم فراراً من شعورٍ غامض بأن البنيان الذي آواهم منذ طفولتهم قد تصدع تصدعاً لا برء منه، فاختلط وقع الأقدام المتسارعة على الدرج بصراخ النساء، وبقيت الشقة خلفهم غارقةً في فوضى موترة تشبه ما يخلفه الزلزال العنيف بعد مروره.
أما في داخل الردهة، فقد بدأ صمتٌ ثقيل يهبط بوئيد ثقله فوق الرؤوس بعد خروج الرجال، غير أنه لم يكن صمت دعةٍ أو راحة بل صمتاً متخماً بالاحتقان المرير تتحرك تحت ظلاله الظنون كما تتحرك الأفاعي تحت رمال الصحراء؛ إذ وقفت زوجات صخر الثلاث متقابلاتٍ مع "كارين" وبناتها في مساحةٍ ضيقة حرج الكلمات تتطاير فيها النظرات الحادة كالمدى المبطنة، وكل واحدةٍ منهن تروم التقاط شقوق الضعف من ملامح الأخرى حتى غدا المشهد كساحة حربٍ مؤجلة لا ينقصها سوى شرارةٍ عابرة لتستعر نيرانها.
وكانت كارين واقفةً في برزخ الوسط تضم ذراعيها إلى صدرها بكبرياءٍ مرتبك غير أن عينيها كانتا تفضحان خوفاً دفيناً أخذ ينهش وعيها ببطء؛ إذ شعرت، للمرة الأولى منذ وطئت قدماها عتبة هذا البيت، أن الأرض الراسخة تحتها قد بدأت تميد، وأن الرجل الذي كانت تراهن على قوته ونفوذه قد بات الآن في كفة الموت الراجحة بينما النساء من حولها يحدقن بها كما تُحدق الذئاب بجريحٍ انفض عنه قطيعه.
وحين همّت إحدى زوجات صخر أن تنبذ بكلمةٍ لاذعة، دوّى صوت الحاجة فاطمة في أرجاء المكان كالسوط القاطع:
"إحنا في إيه ولا في إيه؟! مش وقت خناق!"
فسكتت الألسنة صاغرة ولكن العيون لم تقرّ، بل ظلت تدور في الخفاء تراقب وتحاكم وتغزل من نسيج الصمت ألف اتهامٍ واتهام.
وفي تلك الأثناء، دلف الحاج صالح بخطواتٍ متهالكة متعبة ثم سقط بجسده الوهين فوق المقعد الخشبي كمن أعلن هزيمته الأخيرة أمام وقر عمره، وأحاط رأسه بكفيه في انكسارٍ موجع وأخذ يتمتم بكلماتٍ مبهمة غير مفهومة كأنما يقاضي نفسه أمام محكمةٍ لا قاضي فيها سوى عذاب ضميره.
اقتربت الحاجة فاطمة منه بوجهٍ شحب من فرط الرعب وسألته بلهفةٍ مستجيرة:
"أنت السبب في إيه؟ قلت له إيه خلاه يقع بالشكل ده؟"
رفع الشيخ عينيه ببطءٍ وئيد ومررهما فوق الوجوه المتحفزة والمشرئبة حوله، فوق زوجات صخر الحانقات وفوق كارين وبناتها اللواتي كن ينتظرن تفسيراً يبدد غاشية هذا الرعب المطبق، ثم طلب بصوتٍ متحشرج يابس:
"هات لي كوباية مياه يا صدف."
فأسرعت صدف نحو المطبخ بوجل وعادت بكوب الماء ترتجف يدها ترقباً وهي تقدمه إليه، وما إن شرب منه جرعةً طويلة حتى زفر زفرةً عميقة بدت كأنها تنسلّ من شغاف قلبه لا من صدره، ثم قال بصوتٍ مبحوح يقطر أسى:
"بما إن كلكم موجودين... لازم تعرفوا."
ساد الصمتُ فجأة حتى غدا وقع أنفاسهم المتلاحقة مسموعاً كدق الساعة، ثم طفق الشيخ يسرد بنبرةٍ حزينة ما دارت به الأيام في المستودع؛ كيف تجسدت "مياسين" كطيفٍ غير حسي، وكيف أعلنت نبأ زواجها السري من "كريم"، وكيف وقفت ببناتها الثلاث كأنها شبح الماضي الذي بعث من مرقده لينتقم من الجميع طراً في آنٍ واحد.
وحين وقعت تلك الكلمات على مسمع كارين، شعرت كأن يداً غليظة قد صَفَعتها أمام الملأ؛ فاتسعت عيناها في ذهولٍ مهين ينبئ عن فجيعة، ثم هتفت بصوتٍ مرتجفٍ اختلطت في حشرجته لوعة الغيرة بمرارة الخذلان القاسي:
"متجوز؟!... وعنده تلات بنات؟!"
حاولت الحاجة فاطمة أن تدنو منها لتربت على كتفها وتهدئ روعها، غير أن كارين دفعت يدها بعنفٍ مكبوت ثم صاحت بحرقة امرأةٍ أدركت على حين غرة أنها لم تكن وحدها المتربعة في قلب الرجل الذي أفنت في محرابه غضارة عمرها:
"أنا عملت له إيه؟! قصرت معاه في إيه علشان يعمل فيا كده؟!"
رفع الحاج صالح رأسه المثقل إليها ببطء، وكانت عيناه غارقتين في تعبٍ مرير غائر، ثم قال بصوتٍ أنقضت الحسرةُ ظهره:
"وصخر عمل له إيه علشان كريم يكرهه... ويكرهه ولاده الخمسة؟"
فسقط السؤال على المكان سقوط المقصلة الحاسمة وتبدلت الوجوه في لمح البصر؛ إذ مرت في عيون زوجات صخر الثلاث لمعةُ شماتةٍ خفية لم تطُل، تمازجت بحزنٍ دفين لا يقل عن مرارة الموقف، فكارين، التي كانت تحسب نفسها الملكة التي لم تنازعها أخرى في قلب زوجها، استبانت الآن أن الرجل الذي وهبته حياتها كان يغزل حياةً كاملة وراء ظهرها في العتمة، بينما هنّ، على قسوة الضرائر ومرارة الضرّ، كنّ يعلمن على الأقل ملامح الحرب التي يخضن غمارها.
-وعلى الجانب الآخر من المدينة الصاخبة، كانت أبواب الطوارئ في المشفى تُفتح وتُغلق على عجلٍ مريب بينما وقف أولاد صخر الخمسة أمام رتاج الغرفة التي اختفى في غياهبها أبوهم تتآكلهم رهبة الانتظار القاتل؛ كأنه حكمٌ إلهي معلق في الأثير بين نجاةٍ تمنح الحياة وفقدٍ يورث الشتات، أما الليل البهيم خارج أسوار المشفى فقد بدا ممتداً على نحوٍ غير محتمل كأن المدينة بأسرها تحبس أنفاسها وجلاً، ترقباً لما سيخرج به الطبيب من خلف ذلك الباب الموصد.
ـ نهاية الليلة الرابعة