اقتباسات الروايات

رواية حارة العاشقين 
بين جدرانِ العيادةِ التي تفوحُ برائحةِ الورقِ القديمِ والتبغِ الفاخر،حيثُ يمتزجُ عَبَقُ العلاجِ بمرارةِ الهزيمة، انطلقت صرخةٌ صامتةٌ تجسدت في صـفعةٍ دوّت في أرجاء المكان كانت يدُ "صدف" ترتجفُ وهي تهوي على وجه "باشا"،لا كفعلٍ عدواني،بل كصرخةِ استغاثةٍ أخيرة لامرأةٍ أدركت أنَّ اليدَ التي تداويها هي ذاتُها التي تحرّكُ خيوطَ حزنِها، وكأنها مجردُ دميةٍ في مسرحٍ سيكـوباتيٍّ لا ينتهي.توقفتِ الحركةُ تماماً مالت رأسُ باشا قليلاً بفعلِ الضربة،لكنه لم يرمش بقيَ ساكناً كتمثالٍ من رُخام،بينما كان الألمُ الجسديُّ يذوبُ في محيطِ برودهِ الانفعالي لم تكن الصدمةُ هي ما يسيطرُ عليه،بل ذلك العقلُ الباردُ الذي بدأ يشرحُ الموقفَ بمشرطٍ جراحيّ،يرفضُ الانزلاقَ إلى منحدرِ الغضبِ البدائي،مفضلاً كبرياءَهُ الذي لا يُهزم عدّلَ وضعيةَ نظارتهِ الطبيةِ ببطءٍ مستفز، ثم التفتَ إليها بهدوءٍ مخيف، وقد ارتسمت على شفتيهِ ابتسامةٌ شيطانيةٌ لا تحملُ من الودِّ شيئاً،بقدرِ ما تحملُ من النرجـسيةِ العميقة قال بصوتٍ دمثٍ، رخيمٍ، يقطرُ سخريةً مُبطنة: "بتضـربي الدكتور النفسي اللي بيعالجك؟ يبدو أنَّ نقلَ المشاعر وصلَ لمرحلةٍ متقدمةٍ من العـنفِ الجميل،بينهم.حاولت صدف أن تلملمَ شتاتَ روحِها،كانت أنفاسُها تتلاحقُ كأنها في سباقٍ مع الموت، وصدرُها يعلو ويهبطُ خلفَ ثيابِها التي ضاقت بقلبِها المنكسر نظرت إليهِ بعينينِ يمتزجُ فيهما العشقُ بالاشمئزاز،وهتفت بصوتٍ مهزوز:"أنتَ اللي مريض."لم تهتز شعرةٌ في رأسِه بل اتسعت تلك الابتسامةُ الغامضة، وهو يقتربُ منها بخطواتٍ موزونةٍ تجعلُ الأرضَ تحتَ قدميها تميد. مالَ بجسدِهِ نحوها،حتى شعرت بلفحِ أنفاسهِ على وجهها،وهمسَ بجرأةٍ تخترقُ المسامات: "وماله.. نتعالج مع بعض." 
 وبتحولٍ مفاجئٍ يعكسُ سيطرتَهُ المطلقةَ على الموقف، استدارَ وتوجهَ نحو مكتبتهِ الضخمة. كان صراعُهُ الداخليُّ يغلي؛ فخلفَ هذا القنـاعِ الحديدي، كان يشتهي أن يشدَّها إليه،أن ينهيَ هذا العبثَ بعناقٍ يخرسُ كلَّ الكلمات،لكنَّ "باشا" لا يسمحُ لضعفهِ بالظهور.أخرجَ كتاباً من الرفِّ،فتحه بآليةٍ مدعياً الانغماسَ في القراءة،وكأنها لم تعد موجودةً في حيزه. وضعَ حاجزاً من الورقِ والحبرِ بين قلبه وبينها، وقال بنبرةٍ خاليةٍ من العاطفة،رغم أنَّ جدرانَ قلبِهِ كانت تتصدع: "أنا مش هبقي موجود في العيادة الأسبوع الجاي؟