حارة العاشقين الليلة الخامسة

حارة العاشقين: الليلة الخامسة
​من سلسلة "حكايات ألف ليلة وليلة"
​تسمرت أقدامُ فتيةِ صخر الخمسة عند رتاج غرفة الطوارئ، تشخصُ أبصارهم نحو الباب الموصد، وقد تملكهم لغوب الانتظار الممزوج بآمالٍ واهية في أن ينقشع هذا الكابوس على لسان الطبيب بكلمة طمأنينة تخفف مأساة تلك الليلة البهيمة؛ فلما انشق رداءُ العتمة وخرج النطاسي من الغرفة بخطىً متهالكة، انبرى له "سليم" مستوقفاً إياه بنبرةٍ مرتعشة هلعاً:"طمني عليه."
​بيد أن الطبيب لم يلتفت إليه بكثير اهتمام، بل مضى واضعاً كفيه في عمق جيوب معطفه الأبيض بنظراتٍ لاهية وخلوٍّ من الاكتراث؛ إذ كانت أروقة المشفى تموج بحالاتٍ حرجة أخرى تستدعي عجلة أمره، فألقى إليهم بكلماتٍ جافة مقتضبة: "كان عنده جلطة قلبية وسيحـناها وهننقله الإفاقة."
-​وفي تلك الأثناء، داخل شقة عائلة الجبالي التي ران عليها بؤس الفجـيعة، كانت "كارين" تجلس واجمةً قبالة بناتها، تكاد عيناها تطرفان بذهولٍ يلامس حافة الجنون، وقد تملكتها لوعة الخديعـة المريرة جراء ما اقترفته يدا زوجها الراحل في الخفاء، فتمتمت بنبرةٍ مخنوقة بالغلّ:"متجوز وعنده ثلث بنات في السر وأنا المغفلة اللي نايمة على وداني!"
​وعلى حين غرة، انتبه وعيها الجريح إلى تلك الكلمات الحاسمة التي ألقاها "الحاج صالح" على مسامعها قبل قليل حين قال: "وصخر عمل له إيه علشان كريم يكرهه ويكره ولاده الخمسة؟" فاستدارت بحدقتيها نحو نجلها الرضيع المغيب، وفهمت الآن مغزى تلك الحـرب الخفية؛ فقد كان كريم الراحل يذوب كمداً لطلب الولد الذكر، ولم تجد الأقدار عليه بهذا الصغير إلا بعد أن غادر أبوه الطامع قطار الحياة،​عادت كارين بوجهٍ شاحب تصوب نظراتها الحـارقة نحو الحاج صالح، وارتفعت نبرة صوتها حـادةً مجرحة تختـرق صمت الردهة:"ابنك علشان خلفته بنات اتجوز عليا وهي خلف منها برضه بنات، ولما جه كريم كان مات ملحقش يفرح بيه.. ابنك كان مريـض نفسي وكان عايز يتعالج! أخوه في المستشفى مقدرش يستحمل كره وغـل أخوه من ناحيته هو وولاده الخمسة."
​أغمض الحاج صالح عينيه مستسلماً لوقع الكلمات الحارة، وقد أيقن أن المرأة قد أبصرت الحقيقة المكتومة وعلمت كل شيء أخيراً، فتابعت كارين بمرارةٍ تفيض بالشماتة والأسى:"المريض النفسي ده أنت اتجوزت وعـديت عيلتك علشانه!"
​أومأت برأسها مراتٍ عديدة متهكمة، وأردفت والدموع تترقرق في مآقيها:
"قلت بنفسك عديـت عيلتي علشانه.. تبقى هي دي مكافأتي؟!"
​دنت منها "الحاجة فاطمة" برأفةٍ، وربتت على كتفيها بحنوٍّ وهي تحاول تسكين روعها قائلة:"ادعي له بالرحمة."
​بيد أن كارين باعدت كفيها عنها بعنفٍ وجفاء، وهتفت بقلبٍ يشتعل حقداً: 
"ربنا يجحمه!"
​أشار الحاج صالح بيده متعباً، وتراجع تاركاً إياها تبدد ما غص به صدرها من شحنات الغـضب، متمتماً بانكسار:
"أنا عاذرك."
-​وفي غضون ذلك، خلف جدران المشفى، انقشعت غاشية الغيبوبة عن صخر، واسترد وعيه واهناً مستسلماً لسكينة الإفاقة؛ فدنا منه سليم بوقار يعينه على تعديل جلسته، وهتف برفق:
"ألف سلامة عليك."
​مسح صخر وجهه بكفيه الثقيـلتين، ورمق بنظراتٍ فاترة تلك "الكالونا" الطبية المغـروسة في أوردة يده اليسرى، فانبرى "عمر" يمازحه محاولاً تبديد قتامة اللحظة:"الممرضة معجبة بك..أيوة يا عم!"
​انطلقت من صدر صخر ضحكةٌ عالية رصينة، وأشار إليه بكفه أن يتقدم نحوه؛ فخطا عمر بابتسامةٍ واسعة وجلس على طرف السرير قبالته، فباغته صخر بصـفعةٍ خفيفة مازحة على مؤخرة رأسه، فشهق عمر متظاهراً بـالألم وهو يقول:
"المرة دي جامدة أوي!"
​أومأ صخر برأسه ضاحكاً، وعلق بسخريةٍ محببة:"قفاك مغري لـلضرب."
​هنا تنفس سليم الصعداء، والتفت إلى أشقائه الأربعة قائلاً:"إحنا كده اطمنا عليك."
​ثم التفت "ليل" يسأل بقية إخوته في حيرةٍ من أمر المبيت:"هنام فين؟"
​فأجابه "يوسف" وهو يستعرض ضيق مساحة الغرفة:"اتنين على سرير المرافق واتنين على الكنبة."
​علق صخر بنبرةٍ تملؤها الدعابة والمرح:
"وواحد ينام وهو واقف شـبه الحصان!"
​ارتفعت قهقهات الفتية الخمسة مجلجلةً في الغرفة، فنظر صخر إليهم بعينين تلمعان بفخرٍ عميق؛ فهؤلاء الرجال الخمسة هم كل ما يحوزه من حطام الدنيا وعزوتها. التفت صخر صوب سليم الذي كان يعكف على طي ثيابه بعناية، وسأله مستفهماً:"هتروح الجيش إمتى؟"
​علق سليم جاكيت والده في جوف ضلفة الدولاب الخشبي ثم أوصد الباب بتمهل وقال:"الجيش ده جالي نجدة علشان ارتاح من الحصار اللي في البيت."
​بسط صخر ذراعيه بحنانٍ أبوي دافق، فركض سليم نحو صدره يرتمي في أحضانه، وجعل صخر يربت على ظهره بكفيه في وئادٍ حانٍ متمتماً بنبرةٍ اعتذارية:"متزعلش مني علشان موقفتش في صفك."
​طأطأ سليم شفتيه بلامبالاةٍ واهية إيثاراً لراحة والده:"خليها تاخد الأوضة بالشقة كلها، هي هتجوز بعد شهر وأنا هفضل في السطح لحد ما يجي جواب التـجنيد."
​ثم عدل من وقفته ممسكاً بهاتفه الجوال، وهمّ بإجراء اتصالٍ هاتفي يبتغي به تهدئة روع من في الدار:"قلقانين عليك.. هتصل على الأرضي أطمنهم."
​تنحنح صخر ومسح عبرةً خفية فرت من عينيه تعاطفاً مع نجله، غير أن المفاجأة كانت كامنةً في هوية المجيب؛ إذ انطلق صوت "صافي" عبر سماعة الهاتف، وكأن المنزل قد آل إليها وبات ملكاً خالصاً ليمينها، وهتفت بنبرةٍ متعالية:
"ألو مين معايا؟"
​قلب سليم حدقتيه بمللٍ وضيق، وهمس لإخوته بتهكمٍ مبطن:
"صافي اللي ردت..دي فاكرة البيت بيت أبوها!"
​ارتشف صخر جرعةً من كوب الماء بابتسامةٍ صامتة، لكنه شـرق بها حين دوى صوت سليم ساخراً عبر الهاتف بنبرةٍ تهكـمية:
"أنتِ فـاكرة نفـسك إيناس جوهر؟ عاملة نفسـك مذيعة يا صـندوق؟!"
​حاولت صافي كتمان ضحكتها المباغتة وراء قناعٍ من العصبـية الزائـفة، وهتفت بحـنق:"مين دي اللي صندوق؟!"
​نكزه صخر في كتفه الأيمن بخفةٍ آمرة إياه بالصمت، وانتزع الهاتف من يده ليرد بوقاره المعهود:"ألو.. أنا عمك يا صافي."
​تلعثمت الفتاة وامتصت غضبها، وسألته عن أحواله بنبرةٍ متكلفة بالرغم من أنها لا تطيق له حيزاً في قلبها:"حمد الله على سلامتك."
​رفع صخر حاجب الأيمن عالياً يرقب مشاكسات نجله:"الله يسلمك يا صافي" 
وفجأةً تناهت إليه بحة صوتها المدمع وهي تسأله بعتاب:"هو سليم بيتريق عليا معاكم؟"
​حاول صخر تلطيف الأجواء وتبرير حدة ابنه المستهتر:"سليم بيهزر طول الوقت، مش بيتكلم جد خالص."
​فجاءه ردها لاذعـاً مباغتاً يخـرق صمت الغرفة:"أراجوز يعني؟"
​لم يحتمل سليم الكلمة، فاختطف الهاتف من كف والده منـدفعاً بسخريته اللاذعة:
"مين ده اللي أراجوز؟ أنتِ إنسانة لا تطاقي!."
​وقبل أن يرتد صدى صوتها عبر الأثير بالرد، انبري صوت كارين من خلفها يقطع حبل الـشجار العبثي زاجراً إياها:
"إحنا في إيه ولا في إيه؟! وقت خـناق مع سليم؟! مش حاسة بالمصيـبة اللي إحنا فيها؟ أبوكِ متجوز وعنده ثلث بنات في السر!"
​هبطت الكلمات على مسامع صخر، فعلم تواً أن والده قد أفشى لزوجة شقيقه المتوفى سر كريم السري، وفي تلك اللحظة تملكت الدهشةُ ملامح أولاده الخمسة وحملقت عيونهم بذهول. تناول صخر الهاتف مجدداً من يد سليم راغباً في إنهاء هذا اللغط وإصـلاح ما أفسده الابن، فقال بنبرةٍ هادئة:
"متزعيليش منه يا صافي هو ميقصدش.. على العموم أنا قلت له لما يرجع هيفضل في السطح لحد ما يجي جواب التجنيد."
​ظن صخر بكلماته تلك أنه يقدم صك اعتذارٍ يرضي كبرياءها، وأن عزلة ابنه في "روف" البناية بعيداً عن حيزها حتى يحين موعد خدمته العسكرية وتزف هي إلى عرسها سيحل الأزمة من جذورها، غير أنه كان غافلاً عما يعتمل في سريرة تلك الفتاة؛ فلم تكن تعلم أنه يجهل عشقها المكتوم الذي تداريه وراء قناع الشـجار الدائم، وتخلق الخـصام تلو الخـصام لتخفي ولعها الشديد به عساها تتقي نظرات العاذلين، وتنتظر بفارغ الصبر أن يفطن لقلبها النابض به.
-​وفي غمرة ذلك الشتات، داخل شقة عائلة الجبالي وفي ركنٍ منزوٍ من غرفة "صدف"، كان هاتفها الجوال يصدح برنينٍ متواصل، بينما كانت الفتاة تموج في حركاتٍ عشوائية مبعثرة، تروح وتغدو وعيناها معلقتان بالاسم الساطع على الشاشة. كانت يدها اليمنى ترتجف بوهن، وتتجاذبها رغبةٌ عارمة في سماع نبرات صوته بالرغم من أنه نكـث عهده وفسخ خطبتهما ليندفع خاطباً لصديقتها المقربة، في علاقةٍ مسمـومة بكل المقاييس كـبلت روحها ولم تدع لها مخرجاً من فلكه اللعـين،​أمسكت الهاتف ببناد رعـدةٍ قوية، وفتحت الخط متمتمةً بضعف:"ألو."
​فانطلقت عبر الهاتف ضحكةٌ عالية متهكمة، تحمل في طياتها نشوة انتصارٍ نرجسي، وأردف قائلاً:"عاملة إيه يا صدف؟"
​ارتجف صوتها الواهن وهي تكافح لالتقاط أنفاسها:"أنت عايز مني إيه؟"
​فجاءها رده ببرودٍ يخفي وراءه تلاعباً خبيثاً:"اتصلت علشان أقولك البقاء لله."
​تلعثمت الفتاة وحاولت استجماع شتات كبريائها مستفهمة:"أنت عرفت منين؟"
​فباغتها بنبرةٍ واثقة ينهي بها مكالمةً موازية مع خطيبته الحالية التي سئم من رتابتها، معلناً بدء جولة تلاعـب نفسي جديدة بقلب صدف الجـريح:
"مش مهم عرفت منين.. المهم إني عايز أشوفك، وحشتيني يا صدف."
​استجمعت صدف بقايا قوتها وهتفت بنبرةٍ جافة تحاول زجره:
"أنا وأنت مفيش حاجة بينا.. علاقتنا انتهت يا أمير."
​أطلق أمير ضحكةً عالية يملؤها الزهو الغرور، وقال متودداً متهكماً:
"المهم إن رقمي لسة متسجل عندك.. كنت فاكر إنك عملتِ لي بلوك، لكن دي إشارة علشان نرجع لبعض تاني."
​تهاوى جسد صدف فوق السرير، ووضعت كفها الأيمن فوق موضع قلبها تلاحق أنفاسها المتسارعة، بينما ردد صوته قبل الإغلاق:"هقفل وأكلمك تاني."
​استسلمت صدف لذكراها المريرة مع هذا الرجل، مدركةً في أعماقها أنها تقبع في أسر علاقةٍ سـامة مـدمرة؛ فوضعت كفيها حول رأسها الذي يكاد ينـفجر، متسائلةً في لوعة عن كيفية النجاة من هذا الكابوس المتجدد. احتـقن وجهها بـالدم وحاصرتها كلمات "ليلي" ابنة شقيقها صخر حين قالت لها يوماً زاجرة: "يا صدف أنتِ بقيتي مريـضة بحبه، مش قادرة تتخطي ده.. شخص نرجـسي وسيـكوباتي!"
​مسحت دموعها المنهمرة بكفيها وهتفت بقلة حيلة وضياع:"عايزة أشوفه.. أعمل إيه؟"
​تناولت الهاتف ببدٍ مرتجفة وهمت بالاتصال به مدفوعةً بضعفها، وعلى حين غرة، قادها محرك البحث في منصة "فيسبوك" إلى قائمة المقترحات، لتلمح اسماً برز أمام عينيها: "الدكتور بشر شوكت المصري". تركت الهاتف على الفراش فجأة كأنما لـدغتها أفـعى، ووقفت على قدميها ممسكةً بأستار النافذة لتستند إليها وهي تردد بنبرةٍ حاسمة:
"هتعالج نفسي!"
​عادت إلى سريرها، وتجرعت شجاعتها المتبقية لتمسح عبراتها وتلتقط الهاتف، ضاغطةً على الصفـحة الرسـمية للطبيب لتستعرض مواعيد العيادة وأرقام التواصل دون أن تلقي بالاً لصورته الشخصية المرفقة بالمنشور دونت البيانات المطلوبة على عجالة،ثم أوصدت الهاتف وأغمضت عينيها بقوة، تتـوسل الخلاص من تلك الدائرة اللـعينة وكابوس التـعلق المـرضي بخطيبها السابق :
“ولم تكن تدري أن اليد التي امتدت تطلب النجاة، إنما كانت تطرق باب قدرٍ أشد فتـكًا من علّتها، وأن الطبيب الذي لجأت إليه اتقاءً لسـمّ رجلٍ واحد، سيوقظ في روحها أوجـاعًا لم تعرف لها اسمًا من قبل وأنها على أعتاب مغامرةٍ مجنونة وعـنيفة، ستفيض بمشاعر جارفة لم تحسب لها في سالف عهدها حساباً"
​ـ نهاية الليلة الخامسة