حارة العاشقين الليلة السابعة

حارة العاشقين: الليلة السابعة
من سلسلة حكايات "ألف ليلة وليلة"
انتهزت "كارين" خلوّ الدار وانقلاب أحوالها رأساً على عقب، إثر هرولة عائلة زوجها الراحل "كريم الجبالي" نحو المشفى للاطمئنان على حالة شقيقه "صخر" بعد مباغتة الجلطة القلبية لجسده المثقل بالهموم؛ فالتفتت صوب بناتها في عجلةٍ من أمرها، وقد تملكتها رغبةٌ عارمة في الانعتاق من أسر تلك الجدران التي شهدت خديعة عمرها، وجمعت طفلها الرضيع بين ذراعيها تحميه كمن يحوز غنيمة متأخرة، ثم هتفت بنبرةٍ حادة مستعجلة تكسر سكون الردهة:
"قاعدين مستنيين إيه؟!"
شاخت نظراتُ "صافي" صوب عتبة غرفة نوم "سليم"، فدارت الأسئلة في خلدها متهدجة: أهكذا تُطوى الصفحات وتغادر تلك البناية بتلك السهولة والسرعة دون وداع؟ فتمتمت بصوتٍ خافت:
"يعني هنمشي؟"
وفي تلك الأثناء، انبرت شقيقتها "جيهان" تسأل في حيرةٍ من أمر الغد وبؤس الفاقة المتربص بهن:
"وهنصرف منين يا مامي؟"
أجابتها كارين وهي تحكم قبوض كفها الأيمن على مقبض حقيبة ثيابها، بينما يتوسد رضيعها ذراعها الأيسر، متمتمةً بصرامةٍ لا تلين:
"أنا هتصرف.. خلينا نمشي قبل ما حد يرجع، مش حاجاتكم لسة في الشنط؟"
فجاءها رد الابنتين كصوتٍ واحد:
"أيوة لسة زي ما هي في الشنط."
فأصدرت إليهما أمر الرحيل النهائي دون التفات:
"هاتوا شنطكم بسرعة."
ركضت جيهان داخل غرفة النوم، فانحنت والتقطت الحقيبة الجاثمة على الأرض لتلقي بها فوق عاتقها، ثم هرعت خارجةً إلى الردهة وهي تلهث:
"أنا جاهزة."
استدارت كارين وهي واقفةٌ على عتبة باب الشقة، ورمقت ابنتها الأخرى بنظرةٍ عاتبة:
"وأنتِ يا صافي واقفة مكانك ليه؟"
لم تجب صافي بكلمة، بل أومأت برأسها ممتثلةً، ثم دلفت بخطىً وئيدة إلى جوف غرفة نوم سليم؛ فدارت حدقتاها بين أرجائها الضيقة، تستنشق بقايا عِطره العالق بالهواء، وتستعرض تفاصيل جدرانٍ شهدت معارك مشاعرها المكتومة أيقنت الفتاة في تلك اللحظة المريرة أن حكايتهما قد أُسدل ستارها وقُضِيَ أمرُها قبل أن تبدأ خطوتها الأولى؛ فحملت حقيبتها من فوق الثرى وخرجت والدموع تترقرق في مآقيها كغديرٍ حركته ريح العاصفة..
ولما استقرت الفتاتان قبالة أمهما عند المخرج، سألت صافي بنبرةٍ غاب عنها الرشد:
"هنركب أيه؟"
حينئذٍ، لوّحت جيهان بمفتاح معدني يلمع تحت ضوء المصباح الباهت وهتفت بزهو:
"مفتاح العربية اللي جينا بها لسة معايا."
رفعت كارين حاجبيها عالياً بملامح غليظةٍ جامدة، وفتحت باب الشقة وهي تمتم بمرارة:
"أخيراً هنمشي."

-وعلى الجانب الآخر من المدينة، خلف جدران أحد الفنادق حيث تقبع "مياسين" وبناتها الثلاث؛ كانت هواجس الأمومة تتقاذف الأم التي عكفت على تلمّس أي سبيلٍ يربط بناتها بأرض عائلتهن، مبتغيةً كسر قيد الخجل والتوجس الذي يكبّل خطى ابنتها "لميس" ويجعلها غريبةً في دار أبيها الراحل، لاسيما وأن الفتاة كانت تذوب كمداً وضيقاً من تلك الأجواء الطارئة عليها، ولا ترى في وجودها هنا سوى نفيٍّ قسريّ، فنبرت في والدتها تصرخ برغبتها العارمة في الفرار والعودة إلى منافي الغربة:
"عايزة أمشي وأرجع لندن!"
فردت عليها مياسين بنبرةٍ حانية تحثها على الصبر والأناة، وتُخفي وراءها خوفاً من ضياع الحقوق:
"مش هينفع غير لما نثبت نسبكم الأول."
علّقت لميس بجفاءٍ وكبرياءٍ أنثويّ جريح:
"أنا مش عايزة منهم حاجة، ولا عايزة أعرفهم!"
وقبل أن يرتد صدى الكلمات، اهتز هاتف لميس برنين مباغت، فإذا هي صديقة عمرها المقربة من ديار الغربة؛ فتحت الخط لتستمع إلى صوتها المتهلل عبر الأثير:
"أنا عملت لك مفاجأة.. جيت إسكندرية!"
اتسعت أسارير لميس وفرحت فرحاً شديداً أزاح عن صدرها كآبة المحبس، وهتفت تهنئها:
"بجد؟! فرصة علشان نتسلى."
فأردفت الصديقة بنبرةٍ طائشة تملؤها الجرأة، لتبشرها بما تراه في عرف بلاد الإفرنج نصراً وحرية:
"عاملاكِ مفاجأة ثانية."
استفسرت لميس في فضول:
"إيه هي؟"
فجاءها الرد الصادم من الصديقة عبر السماعة، عاريةً من كل حياء:
"اتفقت مع مرافق في 'بار' علشان حكاية العذرية اللي كانوا بيتريقوا عليكِ بها في لندن.. خلاص مش هيحصل تنمر عليكِ تاني، وأول ما ترجعي نتفق معاه تاني."
تملكت الفرحةُ الطائشة لبّ لميس، وظنت بجهلها وغرارة سنها أن في هذا العبث الماجن صك الانعتاق من سخرية قريناتها، فهتفت بجهلٍ عارم:
"أخيراً!"
وفي تلك الوهلة، كانت مياسين واقفةً على مقربةٍ منها، تتلقف الكلمات الساقطة من حبل الحديث، فدلف الرعبُ الماحق إلى سويداء قلبها، واهتزت أركانها فزعاً وهي تبصر ابنتها تُساق بجهلها إلى مطلع هاويةٍ سحيقة ستُسلب فيها عفتها وتضيع كرامتها؛ فطفقت الأم تنتفض كمن أصابته مسٌّ من حُمّى، وأدركت أن حصون لندن قد تهاوت فوق رأس ابنتها العذراء، ولم تجد بُداً في خلدها—أمام هذا الخطر المحدق الذي يهدد عرضها—سوى اللجوء في توجسٍ وعجلة إلى "صخر"، عم بناتها وكبير عائلتهم، لتستجير برجولته وحكمته وتطالبه بتدارك هذا الشتات وحماية دمه قبل فوات الأوان، وهي بعدُ غافلةٌ تماماً عما ألمّ بالرجل، ولا تعلم أنه يرقد بين الحياة والموت خلف جدران المشفى..

-دلفت عائلةُ الجبالي إلى حنيّة غرفة الإفاقة كجوقةٍ صاخبة مبعثرة الخُطى، يتقدمهم توجسٌ أخرس تبدد دفعةً واحدة ما إن عاينوا "صخر" جالساً على فراشه المسجى بقامته المهيبة؛ فانطلقت من ثنايا الغرفة قهقهاتٌ عائلية مجلجلة خرقت جدار الوقار الطبيّ، الأمر الذي جعل الممرضةَ الواقفة عند أسفل السرير تشهق في ذعرٍ مصطنع ممتزج بالدلال، وتلوح بكفيها زاجرةً إياهم بنبرةٍ آمرة:
"مينفعش كلكم مع الحالة!"
لم يبتئس صخر بصياحها، بل افتر ثغره عن ابتسامةٍ رصينة مشوبة بذكاء ابن البلد الحاذق، ودس يده اليمنى في عمق جيب بنطاله الملقى على حافة الفراش، لينتزع منه نفحةً من أوراق النقد ويلوح بها نحوها في خفاءٍ موحٍ، متمتماً بنبرةٍ هادئة:
"إحنا شوية وخارجين كلنا."
وما إن استقرت النقودُ في جيب مئزرها الأبيض بحركةٍ رشيقة، حتى تبدلت جلافةُ الوظيفة بمرحٍ طارئ، وهتفت وهي تكتم فرحتها:
"ألف سلامة عليك."
جرع صخر رشفةً من كوب الماء الذي يحمله، وعقب بوقار:
"متشكرين."
وقفت الممرضةُ ترمقه بنظراتٍ يمتزج فيها العجبُ بالافتتان الطاغي بوسامته الرجولية السمراء وقامته السامقة، ثم التفتت نحو القوم تتفرس وجوه الرجال الخمسة المتراصين حوله، وسألته ببراءةٍ حيرى:
"أخواتك دول؟"
لم يكد صخر يبتلع جرعة الماء حتى شرق بها مباغتاً، لتتطاير قطرات المقاطعة وتستقر بكاملها على وجه نجله "عمر"، الذي تجمد واجماً قبل أن ينفجر صائحاً بضحكةٍ خبيثة وهو يمسح وجهه بكم ثوبه:
"مش بقولك الممرضة عينيها منك!"
هنا ثارت ثائرةُ نساء صخر الثلاث، وحاصرت الممرضةَ نظراتٌ حانقة مطعونة بغيرة الضرائر، فنبرت الأولى بلهجةٍ يملؤها الامتعاض والاستنكار:
"أخواته أيه؟! إحنا نسوانه ودول عياله يا ختي!"
حملقت عينا الممرضة بذهولٍ مهين، وجعلت تنقل حدقتيها بين تقاطيع وجهه الوسيم الممتلئ بنضارة الشرف وبنيته الفتية، وتمتمت غير مصدقة:
"متجوز تلاتة ومخلف خمس رجالة وتلت بنات؟! مش باين عليك خالص!"
انبرت لها "ورد" بملامح احتقن فيها الدمُ حنقاً، وعزمت على النهوض من مقعدها لتلقنها درساً في حظر الحسد، وهتفت بزجر:
"أنتِ جاية تقري عليه؟!"
لم تنتظر الفتاة عاقبة الغضب الجبالي، بل فرت هاربةً تلوح بكفها الأيمن وتكتم ضحكةً وجلة انبعثت من روعها، مرددةً وهي تغادر الغرفة:
"مكنش قصدي!"
تلاشت الجلبة وعاد الصمت الثقيل يظلل الأرجاء، فمسح صخر وجهه بكفيه محاولاً إعفاء والده من حرج الصمت العالق بينهما، وصوّب حدقتيه نحو الشيخ مستفهماً برفق:
"عامل أيه يا حاج؟"
ترقرقت العبراتُ في مآقي "الحاج صالح"، وناء كاهله بوقر الندم المكتوم إذ علم في قرارة نفسه أنه المتسبب في وعكة ولده بما سكبه في أذنه من حديث، فهتف بصوتٍ متهدج:
"حقك عليا مكنش قصدي."
أجابه صخر بنبرةٍ تفيض بالبرّ والتجاوز:
"وأنت ذنبك أيه؟ أنت قلت لي الحقيقة."
تبادل الأولاد الخمسة نظراتٍ حيرى، يحاولون التسلل خلال هذا الحوار المبهم ليفهموا كنه السر الذي دار بين الأب والجد؛ غير أن صخر لم يمهلهم وقتاً للظنون، بل انتبه فجأة إلى خلو الدار وسأل بحذر:
"طبعاً كلكم هنا.. وفرصة كارين أنها تهرب."
طرق الحاج صالح جبهته بكفه الأيمن في حوض فجيعة الغفلة، وصاح بأسى:
"ده أنا نسيت الحكاية دي خالص!"
أقبلت عليه "الحاجة فاطمة" بلهفة امرأةٍ تخشى شتات الدماء، وهتفت مستجديةً رشد ابنه:
"هتعمل أيه؟ أنا عايزة حفيدي يعيش معايا."
ارتسمت على شفتي صخر ابتسامةٌ عريضة يملؤها الدهاء، ونظر صوب ابنه الأكبر محركاً خيوط خطته المحكمة:
"سليم.. عايزاك ترفع قضية الوصاية بإسم الحاج صالح."
أومأ سليم برأسه ممتثلاً، غير أنه لم يغادر طبعه الساخر، فعلق بمرحٍ يبتغي به إشعال الأجواء:
"بعد ما خلصنا منهم عايز ترجعهم تاني ليه؟"
أطلق صخر ضحكةً عالية مدوية، واستقام بجسده يبتغي مغادرة الفراش ونزع بقايا الثياب الطبية؛ فصاحت زوجته الثانية "نجوى" تلك التي طالما اختلقت الأزمات ونكأت الجراح مع ضرتيها ورد ونوارة—بلهفةٍ مستنكرة:
"أنت لسة تعبان!"
وفي ركنٍ منزوٍ من الغرفة، تراجعت كلٌ من "صدف" و"ليلى" تتناجيان بصوتٍ خافت بعيداً عن صخب الرجال؛ فدنست ليلى من أذن عمتها وهتفت مستفسرة:
"هتعملي أيه مع أمير؟ هتقابليه؟"
اهتزت ركبتا صدف في ارتعادٍ قلق بمجرد أن قرع الاسم مسمعها، وبدا الخوف على تقاطيع وجهها وهي تمتم بحيرة:
"مش عارفه أنا!"
لعقت شفتيها الجافتين ببعضهما تحاول استجماع شتات شجاعتها، وأردفت تخبرها بسرها الجديد:
"أنا دورت على دكتور نفسي."
لمعت عينا ليلى بحماسٍ بالغ، وهمست بنبرةٍ تشد من أزرها:
"أخيراً هتخرجي من الدايرة دي!"
رمشت صدف بأهدابها في توجسٍ وقلق، وتابعت مستطردة:
"هروح.. بس مش هقول اسمي الحقيقي."
تبسمت ليلى بنظرةٍ خبيثة محببة، ونكزت ذراعها الأيمن بخفة وهي تضحك:
"مش مهم الاسم.. وبعدين علشان الجلسات الجمعية متبقيش مكسوفة."
شخصت أبصار صدف مبهوتة، إذ لم تكن تلك النقطة قد خطرت لها على بال، وهتفت مستفهمة برعب:
"جلسات جمعية؟!"
أومأت ليلى برأسها مؤكدةً، وعقبت بمرحٍ لا يخلو من مداعبة:
"بتبقي جلسات جمعية يحكوا مشاكلهم.. ولو عايزة جلسات فردية تحكي للدكتور."
فأطرقت صدف رأسها، تدبر في روعها كيف ستواجه الغرباء بنواقص روحها، وغفلت أن الأقدار تعد لها جلسةً من نوعٍ آخر خلف رتاج عيادة "بشر شوكت المصري".
ـ نهاية الليلة السابعة