لحظات أنوثة اللحظة الثالثة

لحظات أنوثة: اللحظة الثالثة

​من سلسلة "حكايات تفاحة آدم"

​انقشعت غيابةُ المعركة الحامية الوطيس التي دارت رحاها في جوف الحافلة العامة،فترجلا معاً يُجرجران أذيال الخصام؛ وكان صاحبنا "آدم" قد ضرب على فمه قفلاً من صمتٍ كظيم، لا ترفعاً ولا زهداً في الملاسنة، بل طمعاً في اللحاق بوالده المصون واستدرار عطفه قبل أن يبارح عتبة الشركة الموقرة. وفيما هما يسيران، انسل إلى مسامع "كارمن" صوتُ رجلٍ يتحدث بملء فيه، فالتفتت بجسدها التفاتة المذعور تترقب الشبح القابع خلف ظهرها، فما ألفت أحداً يطأ الثرى؛ عاودت الالتفات ثانية، فأبصرت آدم يخطو على بعد خطوةٍ ونصف، فيما صوته يتردد في فضاء أذنها قائلاً: "فاضل نصف ساعة ويسافر".والعجيبة التي تأخذ باللبّ، وتترك العاقل حيران، أن شفتي الفتى كانتا مطبقتين،لا تتحركان بلفظٍ ولا تهمسان بنأمة! رمشت بعينيها رشقاً متتابعاً لتطرد عنها هواجس الجنون، لكن الصوت عاد ليخترق طبلة أذنها دونما شفةٍ تتحرك: "هتحايل عليه لحد ما يرجع لي العربية". هنا وقفت الفتاة شاخصةً، تفرك عينيها تارة وتتحسس أذنيها تارة أخرى؛ أهذا صوتٌ يخرج من مسام جلده، أم هي حاسةٌ سادسة نبتت في رأسها فجأة لتجوس خلال الضمائر؟​استبد بها فضولٌ أنثوي لو وُزّع على نساء الأرض لكفاهن، فطفق تقتفي أثره كظله، حاميةً في يدها حقيبته المنسية تلك الحقيبة النكراء التي جعلها هراوةً يضربها بها في معمعة الحافلة والتي كانت تحوي بين طياتها أسرار جيبه من محفظةٍ فارغة أوشكت على الإفلاس وهاتفٍ جوال؛ ولم يكن هو يدري عن ضياع متاعه شيئاً، إذ كان قلبه معلقاً بأبيه، وعقله يسبق قدميه في مضمار السباق مع الزمن ..وعند بوابة المقر الرئيسي للشركة، الذي شُيّد برصانةٍ تبتغي الفخر، وقف آدم مستجمعاً ما بقي إراقة بذل ماء الوجه، فبسط له موظف الأمن بساط الحفاوة وأذن له بالدخول، وهو لا يعلم بعدُ أن الآب الـمُبجّل قد أسقط الابن المدلل من برج الوجاهة وصيّره في درك الأرشيف الأسفل؛ فهتف الحارس بوقارٍ مصطنع:

"صباح الخير يا آدم بيه."

​تهكم آدم في سِرّه على هذا اللقب الذي بات كالثوب الفضفاض على جسدٍ نحيل، وتنفس الصعداء في زفرةٍ حارة، حامداً ربه أن موظف الأمن وعموم الموظفين لم يقفوا بعد على جليّة أمره، ولم يعلموا بحكم النفي الصادر في حقه. وفجأة، أقبلت سكرتيرة المكتب بخطىً تتثنى دلالاً، وقالت ببشاشةٍ راتبة:

"أستاذ آدم.. صباح الخير."

​فنزع نظارته الشمسية بحركةٍ مسرحية يبتغي بها إظهار الجدية، وأجابها:

"صباح الخير.. عز بيه موجود؟"

​أومأت برأسها إيجاباً، ثم أتبعت الإيماءة بابتسامةٍ صفراء تشي بمعرفتها بكل خبايا القصر المهدوم، وأردفت قائلةً بنبرةٍ لا تخلو من شماتةٍ ناعمة:

"سافر من نصف ساعة.. أنت محتاج موظف معاك يساعدك. في الأرشيف"

​ارتسمت الدهشةُ على تقاطيع وجهه، فتعاظم في نفسه العجب من سرعة سريان الشائعات في تلك الردهات، كأنها النيران في الهشيم، وتمتم في روعه: "مين اللي قالكم!"

..​وفي خارج أسوار الشركة، كانت كارمن تقف وقوف الحارس المتربص، ترتشف الكلمات عن بعد وتستمع بفضولٍ متقد إلى حديثه مع الغيداء السكرتيرة، وحاجته الماسة إلى معينٍ يعينه على حمل أسفار الأرشيف؛ فتبسم آدم متهللاً، وسأل السكرتيرة بمرحٍ لا يخلو من خبثِ الرجال:

"لازم رجل اللي يشتغل معايا؟"

​فغمزت له بعينها غمزاً ذا شجون، وقالت بدلعٍ يملأ أشداقها:

"عز بيه منبّه.. مفيش بنات معاك في الأرشيف شكله موصي عليك!"

..​غادرت كارمن ساحة المقر والغيظ يأكل حشاها، فلم تجد بُداً من الجلوس على الرصيف القاسي قرفصاء، واضعةً كفيها حول رأسها الذي بات كمرجلٍ يغلي من فرط الأفكار؛ ثم رمت ببصرها نحو حقيبته الملقاة أمامها على الثرى، فلمعت في عينيها فكرةٌ شبرقية تفتح لها أبواب المعرفة بخطب هذا الرجل المتعجرف،طفقت تمشي في دربها تتسلل خلف هذا وذاك، محاولةً التقاط أفكار أي رجلٍ يمر بها لتختبر ميزان عقلها، فما سمعت إلا صمتاً؛ فصاحت بقلة حيلة: "دماغي هتنفجر!" 

لماذا هذا الصلف بالتحديد من دون سائر البشر؟!:

"اشمعنا الغبي ده الوحيد اللي أسمع أفكاره"

..​وفي تلك الأثناء،كان آدم قد دلف إلى مصعد الموظفين،فزاحمته الأنفاس والأجساد حتى كاد يقضي نحباً؛ فوضع كفه فوق فمه اتقاءً لروائح الأنفاس المتدافعة، وأغمض عينيه كأنه ينشد نفحة أكسجين من غيب السماوات وما إن انشق باب المصعد أخيراً حتى استنشق الحرية، حامداً ربه أن أحداً من الدهماء وركاب المصعد لم يتعرف على شخصه الكريم، ولم يصدقوا أن ابن صاحب النعمة بات رفيقهم في المصعد ومنبوذاً مثلهم في دهاليز الأرشيف..

​خرج الفتى من المصعد يتبختر كبرياءً، واضعاً كفيه في عمق جيوب بنطاله، وما إن خطت قدماه العتبة حتى هبطت عليه الصدمة هبوط القضاء المستعجل؛ فشخصت عيناه واعتراه الوجوم وهو يعاين المقر الجديد الذي بدا أقرب إلى زنزانةٍ ضيقة انقطعت عنها أسباب الرفاهية: آلةٌ كاتبة حديدية يكسوها الصدأ، ركامٌ من الأوراق والملفات العتيقة التي تذروها الرياح، ساعةُ حائطٍ بلهاء تصدر تكتكةً رتيبة تزعج الآذان، مروحةُ سقفٍ تئن وتدور كالمجنونة دون جدوى، ومكتبٌ معدني متهالك يجاوره كرسيٌّ يشتكي الوهن وينذر بالسقوط عند أول جلسة.

​ـ نهاية اللحظة الثالثة