لحظات أنوثة: اللحظة الأولى
من سلسلة "حكايات تفاحة آدم"
وقفت "كارمن" في شرفة منزلها المتهالك، ترقب أشعة الشمس الباهتة وهي تتسلل بخجلٍ عبر القضبان الحديدية، محاولةً دون جدوى أن تبدد غياهب العتمة التي ضربت جذورها في أعماق قلبها المكلوم؛ هناك حيث استنشقت هواء الصباح المثقل بعبير الضيق، وزفرته تنهيدةً حرّاء خرجت من صدرها كأنها تخلع عن كاهلها أثقال الوجود ومسؤولياته التي لا ترحم. في تلك اللحظات، بدا جسدها النحيل وكأنه يحمل قسوة قدرٍ لم يختره، فتمتمت بصوتٍ خفيضٍ متهدج، يجسد صراع امرأةٍ ذابت ملامح أنوثتها في أتون دور البطولة المزدوج الذي فُرض عليها:
"بقيت الراجل والست في البيت.. أجيب لها حق العلاج منين؟"
كانت والدتها القابعة في الداخل، بمرضها الذي استوطن الجسد والروح، تمثل لها عبء الحب الأكبر، والدافع الأسمى لكل هذا التناقض المرير الذي تعيشه؛ إذ مسحت "كارمن" دمعةً عابرةً تمردت على جفونها، خشية أن تفضح ضعفها الموؤود أمام مرآة نفسها، فقد كان الخوف قرينها الدائم؛ ذاك الخوف من الانهيار المفاجئ أو انفضاح سرها المكنون:
"خايفة أحكي لها... مش عارفة هتعمل إيه، وهتساعدني ولا لأ."
بآليةٍ اعتادتها كجنديٍ تمرس على خوض المعارك الخاسرة، نفضت عنها غبار الضعف وهرعت نحو المطبخ، تعد وجبة الإفطار بحركاتٍ سريعةٍ تفتقر للروح لكنها تفيض بالكفاءة، ثم وقفت أمام باب غرفة والدتها، تستجمع شتات قوتها المبعثرة وترسم على ثغرها ابتسامةً رسميةً باهتة، محاولةً صبغ واقعها القاتم بلونٍ طبيعي زائف، وقالت بنبرةٍ حاولت جاهدةً أن تبدو متفائلة:
"صباح الفل يا ست الكل.. أنا حضرت الفطار."
وعلى ضفةٍ أخرى من هذه المدينة الصاخبة، كان "آدم" يغادر حمامه مُحاطاً بهالةٍ من اللامبالاة التي لا يتقنها سوى الرجال الذين عُجنوا بطينة الترف، فلم يكن يحمل على عاتقه سوى ضجر صباحٍ تلى ليلةً فارغةً من المعنى، يجفف خصلات شعره الغزيرة بمنشفته وهو ينادي ببرودٍ جليدي:
"اصحي يا أنجي."
استيقظت "أنجي" بابتسامةٍ فاترة، هي التي لم تكن في قاموس حياته سوى محطةٍ عابرةٍ ومحض رغبةٍ عارضة، لتقول له بدلعٍ مصطنعٍ استجداءً للحظة بقاء:
"آدم.. خليني نايمة شوية."
زفر "آدم" حانقاً، لاعناً تلك الدوامة التي يقحم نفسه فيها كل حين، حيث الاندفاع خلف غوايات الجسد دون أدنى شعورٍ بالالتزام، فأجابها بصرامةٍ لا تقبل الجدل:
"كملي نوم... بس في بيتك."
وعندما سألته بنبرةٍ تقطر رجاءً: "أجي لك إمتى؟"، مرر لسانه على شفتيه ببطءٍ كاسرٍ، مؤكداً سطوته المطلقة على مجريات الأمور، وأردف باقتضاب: "هبقى أتصل بيكِ."
ما إن أُوصد الباب خلفها حتى تعالت نغمة هاتفه، فابتسم بخبثٍ حين رأى اسم صديقه "عمر" يلمع على الشاشة، مدركاً بنباهته المعهودة أنه قد كُشف أمره، ليأتيه صوت عمر ساخراً:
"إتهدي بقى! عايزين نجوزك علشان أنت حالتك بقت خطر."
انطلقت ضحكة "آدم" مجلجلةً، صافيةً من أي وخزٍ للضمير أو ارتباكٍ أخلاقي، ليرد بزهوٍ:
"بحبهم يا عمر.. بعشق الستات، ودي مشكلة ولازم تتعالج بزيادة الجرعة."
وحين استفسر عمر بفضولٍ متشكك: "أنت لما سافرت واختفيت الأسبوع اللي فات كنت فين؟"، عضّ "آدم" على شفته السفلية متلذذاً بذكرى لا تزال حيةً في مخيلته، وأجاب:
"كنت مع فوج ألماني."
قهقه عمر قائلاً: "طول عمرك بتموت في الألماني!"، بينما كان آدم يشرع في ارتداء ثيابه الفاخرة، واضعاً دستوره الذهبي في عبثية الحياة:
"أنا أي حاجة فيها 'تاء التأنيث' أو 'تاء مربوطة'... أنا راشق فيه."
عادت "كارمن" لغمار صراعها الوجودي، جلست فوق أريكتها المهترئة تقلب صفحات جريدةٍ بالية، باحثةً بين سطورها عن وظيفةٍ قد تمثل لها طوق نجاةٍ أخير قبل الغرق في لُجّة الحاجة، حتى تجمدت عيناها عند إعلانٍ مبوب يتوسط أخبار شركات "الجارحي" الكبرى، لتمتم بما قرأته بذهول:
"مرشدة سياحية حسنة المظهر."
رفعت حاجبيها بدهشةٍ، واعتلت وجهها المنهك ابتسامةٌ بلهاء، وتساءلت بمرارة:
"حسنة المظهر... يعني إيه؟"
أكانت تعني ذلك التأنق الذي لم يعد له مكانٌ في خزانتها، أم تلك الأنوثة الصريحة التي باتت تخفيها قسراً تحت قشرة الرجل الواقي؟ شعرت بوخزٍ في صدرها جراء ضغوط الحياة التي تطالبها بممارسة أنوثتها كأداةٍ للعيش، فتناولت هاتفها بوهنٍ لتطلب من صديقتها "عبير" المساعدة:
"عاملة إيه يا عبير؟ والنبي عايزاكِ تقعدي مع ماما عشان عندي مشوار وجاية."
جاءها الرد المرح: "من عينيا يا ست كارمن."، فنهضت بخطواتٍ متوترة قائلة: "مستنياكِ يا عبير."
لكن صدمةً أخرى كانت بانتظارها حين أعادت النظر للإعلان لتكتشف فوات الأوان:
"المقابلة كانت امبارح!"
في تلك اللحظة، رن جرس الباب كصيحة تنبيهٍ توقظها من سباتها، ففتحت لـ "عبير" التي استقبلتها كارمن بضيقٍ لم تستطع كبته:
"الحمد لله يا عبير.. والنبي ركزي معاها، مش تفضلي قاعدة على التليفون وتفصلي عن العالم الخارجي."
أوصدت "كارمن" باب غرفتها، لتلوذ بملاذها الوحيد الذي يحتضن حقيقتها المسلوبة، ففتحت خزانتها لتنتقي ملابسها التي تخبئها لليل؛ تلك التي تمنحها شعوراً بالاتساق مع ذاتها والراحة النفسية المفقودة، حيث تبحث في خيوط القماش الناعمة عن الأنثى التي اغتالتها معارك الصباح، فارتدت بقرارٍ حاسم تيشيرت أبيض يعلوه "أفرول" جينز، لتستعيد للحظاتٍ خاطفة ذلك البريق الذي كان يغازله الرجال يوماً، في لحظة أنوثةٍ مسروقةٍ من براثن المسؤولية، تتنفس فيها عبق الحياة قبل أن يدركها فجر يومٍ جديد يطالبها بأن تكون "رجلاً" مرة أخرى.
ـ نهاية اللحظة الأولى