اقتباسات الروايات

رواية لحظات أنوثة 
تناهتْ إلى مسامعها دندنةٌ خفيّة لم تتجاوزْ شفتيه، إيقاعٌ مألوفٌ من الغرورِ الأجوفِ الذي اعتادتْ أن تراهُ يغلّفُ ملامحَهُ الأرسطوقراطيّة وهو يخطو داخلَ هذا البهوِ المغبرّ، غيرَ أنّ الهدوءَ الغريبَ الذي خيّمَ على الأرشيفِ في تلك اللحظة إلا من طنينِ المروحةِ السقفيّةِ المتهالكةِ التي تدورُ بجسدِها الحديديّ وكأنّها تئنّ تحت وطأةِ زَمَنٍ ولى أتاحَ لوعيِها الخفيّ أن يخترقَ الحُجُب، لتبدأَ فجأةً في التقاطِ ذبذباتٍ لم تكنْ يوماً مخصصةً للعلن. كان آدمُ يقفُ سانداً ظهرهُ إلى أحدِ الرفوفِ الخشبيةِ العتيقةِ التي كادتْ تنهارُ تحت ثقلِ أطنانِ الملفاتِ الصامتة، يلوّحُ بيدهِ التي تورّمتْ أناملُها وازرقّتْ من قسوةِ الارتطامِ بمفاتيحِ الآلةِ الكاتبةِ الحديديّةِ التي عوقبَ بالنفيِ إليها، في حين كان وجهُهُ الشاحبُ يفيضُ بوقارٍ مصطنعٍ وهو يوجّهُ حديثَهُ التخينيّ المصطنعِ نحوها أو نحو "كرم" الشابِّ المسترجلِ ذي الملامحِ الناعمةِ الذي يقفُ أمامه..
قال لها بنبرةٍ جهيرةٍ تحملُ بقايا كبرياءٍ مهدوم:
«شغلنا علي الآلة الكاتبة».
ولكن، في اللحظةِ ذاتِها التي كانت شَفتاه تطلقانِ تلك الكلماتِ الفخمةَ الرنانة، شعرتْ كارمن بصدمةٍ مروّعةٍ زلزلتْ كيانَها، واهتزتْ لها أركانُ وعيِها الفطريّ، إذ انشقّتْ أمامَ بصيرتِها شاشةٌ خفيّةٌ لعقلهِ الباطن، ليتسللَ إلى مَسامعِ روحِها صـوتُهُ الداخـليُّ الحقيقيّ، وهو يصرخُ بنبرةٍ تفيضُ بالهـلعِ الطفوليِّ والابـتذالِ المضحك:
(«جيت في وقتك علشان تشيل عني كتابة الورق!»).
اتسعتْ عينا كارمن خلفَ نظارتِها الطبيةِ الكبيرةِ الزائفة، وتجمّدَ الدمُ في عروقِها وهي تتراجعُ خطوةً إلى الوراء، تشعرُ بأنَّ الأنوثةَ الفطريّةَ البريئةَ التي كانت تحملُها داخلَ أحشائِها قد تلقتْ طعـنةً نجلاءَ من فرطِ التواضعِ الفكريِّ الذي يعيشُ فيه هذا الوسيمُ المدّعي؛ فبينما كان جسدُهُ الفارعُ وبنيتُهُ الرياضيةُ يوحيانِ بوقارِ الملوكِ وعمقِ الفلاسفة، كان عقلُهُ الباطنُ يدورُ في حلقةٍ مفرغةٍ من البحثِ عن شطيرةٍ رخيصةٍ والتحسُّرِ على مجدٍ ضائعٍ تحت حراسةِ أمنِ النادي الذي طردَهُ بالأمس!
كتمتْ ضحكةً هستـيريّةً كادتْ تقتـلعُ حنـجرتَها، وتحوّلتْ صدمتُها الأوليّةُ إلى شعورٍ عارمٍ بالانتصارِ الساخر؛ لقد رأتْ "تفاحةَ آدم" العاريةَ من قشورِ الوجاهة، وعلمتْ في تلك اللحظةِ الرهيبةِ أنَّ فضولَها الأنثويَّ قد ساقَها إلى أعظمِ مسرحيّةٍ كوميديّةٍ في حياتِها، وأنَّ عليها الآن وهي تتظاهرُ ببلادةِ الموظفينَ الرجال أن تدفعَ ثمنَ هذه المعرفةِ غسولاً من الصبرِ لكي لا تنفجرَ ضاحكةً في وجهِ برنسِ جيلهِ المفلس.«..أنا بسمع أفكاره..»