حارة العاشقين الليلة الثانية

حارة العاشقين: الليلة الثانية 
من سلسلة "حكايات ألف ليلة وليلة"
عادت النسوة إلى رِحاب شقة عائلة "الجبالي"، تلاحقهنّ في العتمة أطيافُ أسئلةٍ قلقةٍ لم تجد لها جواباً شافياً، حيث كانت "ورد" تبذل قصارى جهدها لتستوعب هذا التحول المباغت في مجريات الأحداث، فخرقت الصمت المتوجس بتساؤلٍ يحمل في طياته مزيجاً من الدهشة والاستنكار:
"كريم بيعمل أيه هنا من غير أمه؟"
شرع "الحاج صالح" يروي على مسامعهنّ تفاصيل ذلك اللقاء المقتضب العاصف الذي جمعه بزوجة نجله الراحل، فما كان من "الحاجة فاطمة" إلا أن لطمت صدرها بكفٍ مرتجفة، في حركيةٍ عفويةٍ يتردد في صدائها عبءٌ ثقيل من الأسى الموروث، وهتفت بنبرةٍ مثقلةٍ بالتوجس:
"أمه مش هتسكت."
بيد أن غريزة الأمومة والجدّة سرعان ما انتصرت في جوفها، فبسطت ذراعيها مرحبةً بذلك الصغير الذي استحال ريشةً في مهب ريح صراعات الكبار، ودعته بحنانٍ دافقٍ يحاول جرف مخاوفه:
"تعالى يا كريم."
وفي أسفل البناية، كان شادر العزاء قد نُصبت أعمدته الخشبية وافترشت جنباته الأقمشة الداكنة ليتلقى آل الجبالي العزاء في فقيدهم "كريم"؛ وكان الشارع يعج بالحركة والصخب المعتاد للحارة العتيقة وسط ترقب الجميع لتشييع الجنازة ومراسم الدفن. هبط "الحاج صالح" درجات السلم بخطواتٍ وئيدة لها رنين الوقار، يتبعه ولده "صخر" وأحفاده، حتى وقف قبالة "كارين" التي كانت ترقبهم بنظراتٍ متوجسة، فخاطبها بنبرةٍ تقطر سلطةً مطلقةً لا تقبل المراجعة:
"ابنك محدش يقدر يحرمك منه طول ما أنت في بيت الجبالي."
شخصت "كارين" ببصرها نحو الفراغ، محركةً عينيها بمرارةٍ لا تخفى، لتعلن عن رفضها لهذا الإذعان المقنع بغلاف الضيافة:
"لكن مغصوبة وإحنا ضيوف عندكم."
تنهد "صخر" بضيقٍ مكتوم حبسه بين ضلوعه، محاولاً بسط هدوءٍ مؤقتٍ على الأجواء المشحونة بالترقب والأسى، فقال باقتضاب:
"بعد العزا ما يخلص نتكلم."
إلا أن "صافي" لم تملك كبح جماح لسانها السليط، فتمتمت بحدةٍ بالغةٍ كشفت عن النيران المستعرة في صدرها اليافع:
"أحنا بنكرهكم مش عايزين نعيش معاكم هو بالعافية؟"
همّ "الحاج صالح" أن ينهرها معترضاً على هذه الجرأة التي تفتقر للياقة الموقف، لكن يد "صخر" كانت أسرع إذ امتدت تمنعه في حسم، وفي لمح البصر هوت صفعةٌ عنيفةٌ دوت في أرجاء المدخل، لتستقر فوق وجنة "صافي" التي ارتعد جسدها بالكامل قبل أن تهوي كجسدٍ واهن، ولم يكتفِ صخر بذلك، بل انتشلها بقسوةٍ من خصلات شعرها المنسدلة، ليرتطم رأسها بجذع الباب ارتطاماً مروعاً أدبياً، فاتسعت عينا "كارين" لمرأى هذا العنف المباغت، وصرخت بألمٍ يمزق أحشاءها:
"أنت بتمد إيديك عليها بإمارة أيه؟"
رفع "صخر" سبابة يده اليمنى في وجهها، كاشفاً عن منطق القبيلة والعائلة الذي لا يرحم خارجاً عن طوعه، وقال بنبرةٍ تحذيريةٍ قاطعة:
"كريم مات، لكن عمها وجدها موجودين."
وحين حاولت "صافي" أن تستجمع شتات نفسها لتعترض مجدداً، رمقها "صخر" بنظرةٍ صارمةٍ زاجرة، وضغط على منكبها الأيمن بقوةٍ ألجمت حركتها، وأمرها بلهجةٍ حازمة:
"اطلعوا فوق."
في تلك اللحظة الحرجة، ورغم كبريائها الجريح، لم تجد "كارين" مفرّاً من الإذعان لحقيقةٍ جليّة؛ وهي أن بناتها في هذا الطقس الموحش بحاجةٍ ماسةٍ لظهيرٍ يحميهنّ، حتى لو كان هذا الظهير ينضح بالقسوة.

توقفت سيارة الأجرة العتيقة بهديرٍ خفيفٍ أشبه بأنفاسِ مجهدٍ ينازع البقاء، رابضةً أمام مهابة بناية "الجبالي" الشاهقة التي كانت تتحدى السحاب برسوخها؛ ومن جوف السيارة ترجلت "مياسين" بخطواتٍ تكسوها الحيرة، تتبعها عيون بناتها الثلاث اللواتي تجمّعن حول رداء الأمومة كفراخٍ صغيرةٍ ذعرتها رياح المصير الغامض. رفعت مياسين بصرها المتعب نحو شموخ المبنى وجدرانه الطاعنة في القدم، ثم أدارت رأسها يميناً لتصطدم بمرأى شادر زوجها الراحل "كريم الجبالي" المنصوبة أعمدته في جوف الحارة، شاهداً صامتاً على غيابٍ أليمٍ وافتتاحيةٍ لمستقبلٍ تلفّه غياهب المجهول.
تنفّست الصُّعداء بعمقٍ يحمل لوعة الكتمان، ثم اقتربت بوجلٍ تحتدم فيه مشاعر التوجس من رجلٍ كان يقف على مقربةٍ من الشادر، يلوّن صمت المكان بتمتماتٍ خافتة ونبرةٍ هادئة، وحاولت جاهدةً بسط سلطة السيطرة على ارتجافِ أوصالها وتوترها، واستفسرت منه عن شقيق زوجها قائلة:
"لو سمحت... صخر الجبالي فين؟"
تجمّد الرجل في موضعه وشخص ببصره نحوها، فبالرغم من أن "مياسين" كانت قد ولجت عقدها الرابع من العمر، إلا أن ملامحها كانت لا تزال تحتفظ ببريق جمالٍ وحيويةٍ أخّاذة تجذب النواظر، وتتحدى سنوات الشقاء التي حفرت أخاديدها في روحها؛ فمسح الرجل تفاصيل وجهها بنظرةٍ خبيثةٍ تقطر دناءة، وانفرجت شفتاه عن ابتسامةٍ صفراء مليئةٍ بالوقاحة والاستخفاف، وأجابها:
"مينفعش إسماعيل يا عسل؟"
وفي لمح البصر، اشتعل مرجل الغضب في عينيها المجهدتين، ولم يكن ذعرها نابعاً من خوفٍ على ذاتها، بقدر ما كان ذوداً عن بناتها اللواتي كنّ يرقبن المشهد بأعينٍ ملؤها الوجل والترقب؛ فرفعت سبابة يدها اليمنى بحدةٍ قاطعة، ورسمت بها في الهواء حاجزاً تحذيرياً صامتاً بينها وبين دناءته، وهتفت في أنفة:
"خلاص... مش عايزة حاجة!"
وفي تلك الأثناء، كان "صخر" يقبع في غياهب الشادر، فاستثارت سمعه أصوات المشاجرة الحادة اللامبررة التي انبعثت من الخارج، فضيّق عينيه الصقريتين وتملكه ضجرٌ عارم، إذ لم يكن ليسمح بأدنى ضوضاء تُعكر وقار الموت أمام الشادر المنصوب؛ فخرج مسرعاً بملامح صارمةٍ كأنها قُدّت من صخر اسمه، حاجبًا بكتلته الجسدية الضخمة وقامته المديدة جزءاً من ضوء النهار المنعكس على ممر الحارة، وصاح بنبرةٍ جهوريةٍ غاضبة تجسد هيبة العائلة وسلطانها:
"إيه الدوشة دي!"
ارتعد جسد "إسماعيل" الذي استحال كبرياؤه ذلاً في توّه، وأخذ يتلعثم محاولاً تبرير موقفه بكلماتٍ متقاطعة، بينما كانت "مياسين" وبناتها يرتعدن من هالة صخر المخيفة ونبرته الكاسرة التي تفرض الصمت فرضاً:
"الـ... الأستاذة بتسأل عليك يا معلم صخر."
ولم يكن صخر بالرجل الذي ينتظر اعتذاراً أو يمهل المخطئ حتى ينهي جملته، فما إن انقطعت كلمات إسماعيل حتى نزلت صفعةٌ قويةٌ كالصاعقة على مؤخرة رأسه، أطاحت بوقاحته بعيداً وجعلته يتهاوى؛ ثم التفت صخر بعينين تملؤهما نيران الغيظ والترقب يتأمل مياسين وبناتها، وعاد بنظره المقيت إلى إسماعيل المطروح أرضاً، ليزأر بصوتٍ زلزلت قعقعتُه أركان المكان:
"وأنت بقي شيخ الحارة بروح أمك؟ غوُر يالا من هنا!"
وحين انصاع إسماعيل للأمر وهرول مغادراً بخزي، بقي صخر واقفاً في مكانه كالسنديان، يسبر بأغوار نظراته ملامح تلك المرأة التي لم يكد يتعرّف عليها لشدة المفاجأة، وكانت هي الأخرى ترنو إليه بثباتٍ غريبٍ مهيب، كأنها تحمل في جوف صدرها جبالاً من الأسرار تفوق قدرة البشر على الاحتمال. اقترب منها خطوةً وثيدة، وقال بنبرةٍ متحفظةٍ يحوطها الغموض:
"حضرتِك قلت… عايزاني؟"
ارتبكت مياسين لثوانٍ معدوداتٍ تلاشت فيها الكلمات من فوق لسانها، ثم التفتت وراءها حيث كانت فتياتها الثلاث يقفن متلاصقاتٍ، كأن الخوف قد صهر كينونتهن في جسدٍ واحد، يختبئن خلف ظهر أمهن ذعراً من نظرات عمهن الحادة، تلك النظرات الصارمة التي لا يعرف صخر نفسه كيف يكبح جماح قسوتها في تلك اللحظات العصيبة.
ولما طال الصمت ولم يتلقَّ إجابةً تشفي حيرته، أعاد صخر صياغة سؤاله بنبرةٍ أكثر حدّةً وقساوة، كمن يريد اختراق أسوار ذلك الصمت المريب:
"مين حضرتِك؟"
رفعت مياسين رأسها بكبرياءٍ جريح، وتنفست بعمقٍ استجمعت فيه بقايا شجاعتها، ثم نطق لسانها بتلك الكلمة التي وقعت على مسامع صخر كالسقوط المدوي من مرتفعٍ شاهق لا يُرى له قاع، وقالت:
"أنا… أنا مرات كريم الجبالي وبناته من حقهم يحضروا جنازة أبوهم"
تجمد "صخر" في مجلسه للحظةٍ دهِشَت فيها حواسه، وبدت على تقاسيم وجهه الصارم ملامح صدمةٍ جديدةٍ زلزلت استقراره، صدمةٍ لا تقل عتوّاً وضراوة عن تلك التي تلقاها مطلع الصباح عندما أُخبر بأن أخاه قد سفك دماً؛ فشعر في توّه وكأن أرض الحقيقة تُسحب بعنفٍ من تحت قدميه، وأن كل ما ظنه مستقراً في عُرف عائلته ينهار دفعةً واحدة كقصور من رمل. وفي تلك الأثناء، كانت عينا مياسين تراقبان خلجات وجهه وتتبعان حركات عينيه، تبحثان في قسوته عن أي أثرٍ لرحمةٍ منسية أو تفهمٍ غائب، بينما كانت الفتيات يتشبثن برداء الأم يترقبن مصيرهن، ويردد صخر في خلد الصمت بذهولٍ قاتل:
"بنات كريم"
-وعلى الجانب الآخر، في شقة عائلة "الجبالي"، كانت الأجواء العلوية لا تقل اشتعالاً؛ إذ دلف "سليم" إلى الردهة بخطواتٍ متهالكة جراء عناء الترتيبات، مستنداً بكفه على جدار الممر، وتوجه مباشرة صوب الحمام ليتخلص من غبار ذلك اليوم الطويل. لم تكد "صافي" تلتقط أنفاسها وتجلس في ركن الغرفة، حتى تناهى إلى مسامعها حوار "نجوى" التي قالت بنبرةٍ تحمل حنقاً مكتوماً وهي تشير إلى ركن النسوة الوافدات:
"مرات عمك وبناتها مش طايقنا."
خرج "سليم" من الحمام ملوحاً بيده في الهواء بحركةٍ تنم عن عدم الاكتراث، مستخفاً بتلك المشاعر الموتورة بعد أن بلغه تهكمهن السابق:
"هنعملهم أيه، هنتحايل عليهم علشان يحبونا؟"
جاءه الرد سريعاً كالنصل من "صافي" التي كانت تتابع الحوار بنظراتٍ متقدة من خلف باب الغرفة، وهتفت مصحوبةً بإيماءةٍ حادةٍ من رأسها:
"لأ، نمشي طالما مش طايقين بعض."
التفت إليها وعيناه تنطقان بغضبٍ صريحٍ من هذه الجرأة المستمرة والتسمع المستفز:
"ده أنت رامية ودانك من بدري!"
ولحسن حظها في تلك اللحظة، تدخلت "الحاجة فاطمة" لتلقي بعباءة حمايتها فوق الفتاة، مبررةً موقفها بنبرة هادئة:
"كانت بتدور على الحمام ودخلت الأوضة عندك."
طأطأت "صافي" رأسها بحنقٍ متدارية خلف عنادها، عاقدةً ساعديها فوق صدرها في موقف دفاعي، بينما غمغم "سليم" بنبرةٍ كقعقعة الرعد من فرط كظمه للغيظ وضغطه على أسنانه:
"دي عدوانية وبتكره كل عيلتها."
لم تحتمل "صافي" هذا الهجوم، فسمحت لحقدها الدفين أن يتدفق كلماتٍ زادت الموقف اشتعالاً:
"مين قالك أني معترفة بيكم عيلتي؟"
رفع "سليم" بصره نحوها، وعيناه تحملان خليطاً من التحدي والاستنكار:
"مش بقولك عدوانية!"
صدح صوت "كارين" وهي تخرج من غرفة المعيشة تتبعها "جيهان"، محاورة تدافع عن ابنتها في وجه نجوى وسليم، وصاحت مستفسرة عن هذا العراك الصاخب:
"في أيه يا صافي؟"
أجابت "صافي" بنبرةٍ مهزوزةٍ يرتجف لها كيانها جراء التوتر: "عايزة أمشي."
هنا، أطلق "سليم" نبرته الساخرة ليحكم حصاره عليها: "لما جدك وعمك يرجعوا من العزا."
لكن سخريته تلك لم تزدها إلا عناداً، فخرج صوتها جافاً يقطر تحدياً سافراً: "مش أنتم اللي تقرروا، أنا اللي أقرر."
تدخلت "كارين" لتضع حداً لهذا الجدال العقيم، وقالت كمن يلقي بورقة رابحة لتهديدهم:
"صافي كان كتب كتابها آخر الشهر، يعني هتريحكم منها."
انتهز "سليم" الفرصة ليوجه إليها سهماً آخراً من سهام تهكمه اللاذع:
"أكيد اللي هيتجوزك أمه هتبقي داعية عليه من لسانك الطويل."
لم تحتمل الفتيات والنساء هذا التهكم؛ فاشتعل الشجار بين جيهان وصافي وكارين من جهة، ونجوى التي انبرت تذود عن ولدها بحمية الأمومة من جهة أخرى، ليتعالى الصراخ في أرجاء الشقة الطاعنة في القدم. وفجأة، ضربت "الحاجة فاطمة" الأرض بعصا الحسم، وصدح صوتها بصرامةٍ أنهت اللغط المحتدم:
"هو مفيش احترام لوجودي؟ كل واحدة تشوف اللي وراها.. ادخلي أوضتك يا صافي."
امتعض وجه صافي، وتهكمت بمرارة وعجرفة تليق بنشأتها:
"أنا متعودة أنام في أوضة كبيرة.. عايزة أرجع بيتنا!"
فردت الحاجة فاطمة بنبرة هادئة تحاول استيعابها: "ما هو ده بردوا بيتك."
شاكست "صافي" بإصبعها مشيرةً بكيد وخبث نحو غرفة سليم المجاورة وقالت بصلف:
"أنا عايزة أخد الاوضة دي!"
سقطت الكلمات كالصدمة على سليم الذي ذهل من فرط خبثها ومحاولتها المستمرة لاستفزازه واقتحام خصوصيته، بينما اتسعت عينا "نجوى" وكارين بدهشة عارمة من هذه الجرأة؛ ولم يقطع هذا الذهول إلا ضحكة خفيفة انطلقت من صدر "الحاجة فاطمة" التي وجدت في عناد الصغيرة تسلية ومجالاً لربطها بالدار.
أدرك "سليم" أن البقاء تحت هذا السقف في ظل وجود هاتيك النسوة وعناد صافي سيحيل حياته جحيماً لا يطاق؛ فقرر في حسم وعزة نفس أن ينسحب من المواجهة مؤقتاً. التفت إلى جدته وأمه وقرّر لملمة ثيابه وحاجياته المبعثرة، متوجهاً نحو باب الشقة وعيناه تطلقان شرارات الوعيد لصافي، معلناً خروجه النهائي ليعيش في شقته المستقلة التي اتخذها سابقاً مكتباً للمحاماة، هرباً من هذا الضجيج العائلي المستعر، وتاركاً خلفه رداء الحرب مشتعلاً بين جدران آل الجبالي. "اشبعي بالشقة كلها"
ـ نهاية الليلة الثانية